إرهاصات سقوط غرناطة الشرق قصص إسلامية

0 121

محمد الفوزان

أبوعبدالله الصغير كان أداةً للفونسو وإيزابيللا ملكي قشتالة وأراغون لحرق المسلمين والممالك الإسلامية في الأندلس، فهل شفع له ذلك؟
ابدا لم يشفع له، ففي نكسة كبيرة وفي ظل الذل والاستصغار يخرج أبو عبد الله محمد بن الأحمر الصغير، آخر ملوك المسلمين في غرناطة من القصر الملكي، ويسير بعيدًا في اتجاه بلدة أندرش، حتى وصل إلى ربوة عالية تُطل على قصر الحمراء يتطلع منها إليه، وإلى ذاك المجد الذي ولَّى، وبحزن وأسى انطلق يبكي حتى بللت دموعه لحيته، فقالت له أمه عائشة الحرة:” فلتبك كالنساء مُلْكًا لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال”.
إلى هذه اللحظة ما زال هذا التل، الذي وقف عليه أبو عبد الله محمد الصغير، موجودًا في إسبانيا، وما زال الناس يذهبون إليه، يتأمَّلون موضع هذا الملك الذي أضاع مُلكًا أسسه الأجداد، ويُعرف هذا التل بـ”زفرة العربي الأخيرة”. بهذه الخطوة قد زال حكم المسلمين في الاندلس فكانت غرناطة آخر معاقلها.
“لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ”(يوسف:111).
بدأت الخطوة عند اتحاد إيزابيللا الأولى ملكة قشتالة، وفرديناند الثاني ملك أراغون، وزواجهما وتوحيد مدنهما بحكم واحد مشترك، فقد فهما ان في الاتحاد قوة، أما المسلمون في حينها فقد استحوذت عليهم الفرقة والخوف على الملك والعرش، وتعزيز السلطة المطلقة كل في مدينته، ولا يهتم بتقديم العون لأي مدينه أخرى مسلمة مجاورة، حتى لو تعرضت للحرب او الاعتداء.
الاسوأ أن أبوعبدالله الصغير لجأ الى التحالف مع الأفرنج للتآمر ضد المدن الإسلامية، وبهدف تعزيز سلطانه وحماية ملكه، ويحسب بذلك أنه يحسن صنعاً، إلاّ أن المملكة المسيحية كانت تلتهم المدن الإسلامية الواحدة تلو الأخرى دون رحمة، وكان أبوعبدالله الصغير مساهماً فعاّلا في التآمر عليها ومساعدة الفرنجة على ذلك، بحجة الصداقة والتحالف معهم، اي مملكتي قشتالة وأراغون. بدأت المملكتان بالتعبئة ضد المسلمين ومستخدمة “الإسلاموفوبيا”، وساهم أبوعبدالله الصغير بالتعبئة مع حلفائه الفرنج بـ”الإسلاموفوبيا” كذلك، ضد الممالك الإسلامية، وتمت الإستعانة باسقف الكنائس لطلب المال (مال صكوك الغفران)، وتجنيد الجيش، وفُرض الحصار على طليطلةَ في العام 1084، ولم يقم أحد بمساعدة إخوانهم المسلمين إلا المتوكل ابن الأفطس الذي أرسل جيشا كبيرا لنجدتها، لكنه تعرض لهزيمة ساحقة من الجيش المسيحي، واستمر الحصارتسعة اشهر، إلى أن استبد الجوع بالناس، ولم تفلح محاولات المسلمين في الوصول لتسوية.
لم يرض الفونسو سوى بتسلم المدينة كاملة، وفعلا تم ذلك في العام 1085، وتوجه إلى المسجد الكبير الذي حوله إلى كاتدرائية وصلى فيه قداس الشكر، وصارت عاصمة لمملكة قشتالة المسيحية، وتم منح المسلمين الحرية كاملة بمغادرة المدينة أو البقاء فيها وحرية التصرف في أملاكهم.
أما عبدالله الاول عندما بنى قصر الحمراء في غرناطة ساعد الفرنجة على الاستيلاء على إشبيلية، مقابل الإحتفاظ بسلطته وفي استقلال وحكم غرناطة، بل إن بعض الشعب ساندوه على ذلك متأثرين بثقافة القوي ونكاية بالمشروع الإسلامي، وفي النهاية أتى اليوم الذي تم الوصول فيه أخيراً الى غرناطه مملكة أبي عبدالله الصغير المتحالف معهم.
لقد توقع الاسقف وملوك المسيحية أنهم سيدخلون غرناطة بحرب، وكانوا لا يمكلون المال، لذلك كانوا يترجُون الكنيسة إعطاءهم المال المطلوب مع احتمال الرفض، ولم يعلموا حينها إن غرناطة وأبوعبدالله الصغير،صديقهم، سيقدم لهم مملكة غرناطة على طبق من ذهب.
سلم أبو عبدالله الصغير غرناطة بعد صلح عقده مع فيرناندو يقتضي بتسليم المملكة وخروج أبو عبدالله الصغير من الأندلس، وذلك في الثاني من شهر ربيع الأول سنة 897 هجرية الموافق للثاني من يناير 1492، لكن سرعان ما تم نقض هذا الأخير العهد، وبدأت محاكم التفتيش في التعذيب والقتل والنفي، وبدأت هنا معاناة أهل الأندلس من المسلمين ومن اليهود، فقد كانت محاكم التفتيش تجبرهم على التنصير أو الموت، وقد تمسك أهل الأندلس بالإسلام، ووفق الرواية القشتالية الرسمية، لم يُبد الأندلسيون رغبة في الاندماج بالمجتمع النصراني، وبقوا في معزل عنه، يؤدون شعائرهم الإسلامية ويدافعون عنها بكل تفان، وحتى لا يصطدموا بمحاكم التفتيش لجأوا إلى ممارسة التَّقيَّة، فأظهروا النصرانية وأخفوا الإسلام، فكانوا يتوضؤون، ويصلون ويصومون.
كل ذلك خفية عن أعين الوشاة والمحققين، لكن لم تنته مشكلة المسلمين هنا، بل كانوا يجبرون على الأكل في شهررمضان أمام العامة، ويجبرون على شرب الخمر وأكل الخنزير، وغيرها من ممنوعات الدين الإسلامي، ليتم التصديق بأنه لايخفي إسلامه او صيامه او صلاته، بل وصل الأمر إلى إخفاء قصاصات القرآن، وكان اذا تبين للسلطات أن شخصا ما مسلما في السر، فقد كان يعذب ويقتل بأبشع الطرق، ويحرق حيا في النهاية لأنه اختار دينا له، ويمكننا تلخيص عوامل سقوط غرناطة كالتالي:
1- الانحراف عن شرع الله تعالى ومنهجه الإسلامي الصحيح.
2- الإنغماس في الملذات والترف.
3- تقديم فروض الطاعة للعدو القوي، مقابل الإحتفاظ بالسلطة، والتحالف معه ضد بلاد المسلمين.
4- تقاعس كثير من العلماء عن دورهم الدعوي والإصلاحي، وآثروا السلامة لأنفسهم على تقديم النصح والمشورة.
والذي يجب أن يشغلنا حاليا هو أن نقف مع تاريخ الأندلس وغيرها من البلاد وقفة نفهم منها الأحداث، وما هو دور المسؤولين والشعوب والأفراد مما يدور حولنا، حتى لا تصبح مدننا أندلساً أخرى.
وليعلم كل منا إنما هو على ثغرة عظيمة من ثغور الإسلام، فليحذر وليحرص كل الحرص على ألا يُؤْتى الإسلام والمسلمون من قِبله، ولا يُلدغ الثانية، فإن العدو في الآخر لن يرحمه “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ”(يوسف:111).

إمام وخطيب

You might also like