إرهاصات عودة ابن تاشفين جديد قصص إسلامية

0 8

محمد الفوزان

يوسف بن تاشفين ناصر الدين بن تالاكاكين الأمازيغي ( 1006 – 1106) ثاني ملوك المرابطين في المغرب بعد عمه أو ابن عمه أبو بكر بن عمر، و اتخذ لقب “أمير المسلمين” اعظم ملك مسلم في وقته، اسس اول امبراطورية في الغرب الاسلامي من حدود تونس حتى غانا جنوبا والاندلس شمالا، وانقذ الاندلس من ضياع محقق وهو بطل معركة الزلاقة وقائدها. وحد وضم كل ملوك الطوائف في الأندلس إلى دولته بالمغرب بعدما استنجد به أمير إشبيلية.
عرف بالتقشف والزهد، رغم اتساع امبراطوريته، كان شجاعا و اسدا هصورا، قال الذهبي في “سير أعلام النبلاء”:” كان ابن تاشفين كثير العفو، مقربًا للعلماء، وكان أسمر نحيفًا، خفيف اللحية، دقيق الصوت، سائسًا، حازمًا، يخطب للخليفة العباسي في بغداد العراق”، ووصفه ابن الأثير في “الكامل” بقوله:” كان حليمًا كريمًا، ديّنًا خيرًا، يحب أهل العلم والدين، ويحكّمهم في بلاده، ويبالغ في إكرام العلماء والوقوف عند إشارتهم، وكان إذا وعظه أحدُهم، خشع عند استماع الموعظة، ولان قلبُه لها، وظهر ذلك عليه، وكان يحب العفو والصفح حتى عن الذنوب العظام، ومؤسس الدولة المرابطية، وأول من دعي بأمير المسلمين، وباني مدينة مراكش. ولد في صحراء المغرب، ولما بلغ مرحلة الشباب ولاه عمه أبو بكر بن عمر اللمتوني إمارة البربر، وبايعه أشياخ المرابطين”.
ورث يوسف بن تاشفين عند توليه قيادة الحركة المرابطية في سنة 463هجرية كل النتائج الإيجابية التي حققها قبله في المغرب عبد الله بن ياسين القائد الروحي للمرابطين، وأبو بكر بن عمر، فاتخذ من سجلماسة قاعدة جنوبية لدولته. وبفضله صارت مركز تجمع للصنهاجيين الصحراويين الجنوبيين، وخصوصا من قبائل لمتونة ومسوفة وجدالة، واهتم كذلك بمراكش وسهلها، فاتسع العمران فيها وأصبحت بالفعل عاصمة دولة كبيرة.
لما جاء ابن تاشفين بدأ بمحاربة ما تبقى من بقايا المغراويين الزناتيين الذين كانوا يسودون من قبل هذه المنطقة ومن فيها من الصنهاجيين، فمد سلطانه إلى تادلا ووصل إلى أبواب ريف تامسنا وجبال الريف الجنوبية التي كانت موطن البرغواطيين، كما حارب الزناتيين الذين كانوا يسيطرون على حوض وادي سبو.
وبهذا امتد سلطان المرابطين فشمل جبال الريف وريف تامسنا ووصل إلى طنجة، وقد اجتهد أثناء حربه تلك في القضاء على كل الفرق الضالة، وبخاصة منها الفرقة البرغواطية، فمحا معالمها وأرسى قواعد الإسلام الصافي. وكان هذا العمل الذي قام به ابن تاشفين استمرارا للعمل الذي قام به الأدارسة في سبيل نشر الإسلام الصحيح في المغرب الأقصى. بعد ذلك، دخل يوسف بن تاشفين مدينة فاس، فأقدم فيها على إصلاحات مهمة، وجعلها مدينة واحدة بعد أن كانت مدينتين، وأدار عليها سورا حصينا، وأكثر فيها من بناء المساجد.
كما نجح بعد ذلك في التغلب على كل القبائل صاحبة السلطان في هذه النواحي، وبخاصة غمارة ومكناسة وغياثة وبني مكود، ودخل في طاعته شيوخ القبائل في ناحية تلمسان، ثم مد سلطان المرابطين حتى مدينة الجزائر. عقب ذلك تمكن من الاستيلاء على سبتة وطنجة، وبذلك يكون قد وحد المغرب الأقصى كله تحت سلطانه، بل وصل بحدوده إلى تلمسان والجزائر، وهذه هي المرة الأولى التي يتوحد فيها المغرب الأقصى وجزء كبير من المغرب الأوسط تحت إمرة واحدة.
وهكذا أسس دولة كبرى امتدت حدودها بين أفريقية والمحيط الأطلسي، وبين البحر المتوسط والسودان. ولهذا يعتبر يوسف بن تاشفين منشئ المغرب الأقصى الموحد، وواضع أساس وحدة بلاد المغرب، وقد أكمل بذلك ما بدأ به الفاتحون العرب.
اعتمد في إدارة دولته الواسعة على التنظيم القبلي، أي أنه اعتمد في إقرار الأمن وجباية الأموال على القبائل الصنهاجية السائدة في النواحي، واعتبرها مسؤولة عن ذلك، وأرسل لها القضاة، واجتهد في القضاء على كل محاولة للزناتيين في استعادة السلطان من أي ناحية من نواحي المغرب.
وحرص ابن تاشفين على نشر الإسلام الصافي الصحيح عبر الشيوخ والفقهاء الذين كان يرسلهم إلى منازل القبائل ويأمرهم ببناء المساجد والعناية بتحفيظ القرآن الكريم وتعلم اللغة العربية. وكانت العادة أن يعهد يوسف في حكومة النواحي وولاية المدن إلى رؤساء من القبائل الصنهاجية التي حملت عبء الدولة المرابطية وهي لمتونة ومسوفة وجدالة، ثم انضمت إليها لمطة وجزولة وتارجا وبعض القبائل الأقل أهمية.
وكانت هذه الروح الشجاعة العصب الحقيقي الذي استمدت منه الدولة المرابطية قوتها، وبعد أن قوي ساعده واستقرت دولته وتوسعت، لجأ إليه مسلمو الأندلس طالبين الغوث والنجدة، حيث كانت أحوال الأندلس تسوء يوماً بعد يوم، فملوك الطوائف لقبوا أنفسهم بالخلفاء، وخطبوا لأنفسهم على المنابر، وضربوا النقود بأسمائهم، وصار كل واحد منهم يسعى للاستيلاء على ممتلكات صاحبه، لا تضره الاستعانة بالإسبان الصليبيين أعداء المسلمين، آنذاك، لتحقيق أهدافه، وأسندوا للفساق المناصب، واستنجدوا بالصليبيين، وتنازلوا لهم عن مداخل البلاد ومخارجها.
أدرك الصليبيون حقيقة ضعف المسلمين فطلبوا منهم المزيد، ولقد استجاب ابن تاشفين لطلب المسلمين المستضعفين، وفي ذلك يقول الفقيه ابن العربي:” فلبّاهم أمير المسلمين ومنحه اللـه النصر، وألجم الكفار السيف، واستولى على من قدر عليه من الرؤساء من البلاد والمعاقل، وبقيت طائفة من رؤساء الثغر الشرقي للأندلس تحالفوا مع النصارى، فدعاهم أمير المسلمين إلى الدخول في بيعة الجمهور، فقالوا: لا جهاد إلا مع إمام من قريش ولستَ به، أو مع نائبه وما أنت ذلك، فقال: أنا خادم الإمام العباسي، فقالوا له: أظهر لنا تقديمه إليك، فقال: أو ليست الخطبة في جميع بلادي له؟ فقالوا: ذلك احتيال، ومردوا على النفاق”.
وحتى يكون ابن تاشفين أميراً شرعياً أرسل إلى الخليفة العباسي يطلب منه توليته، ويقول السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء:” وفي سنة تسع وسبعين أرسل يوسف بن تاشفين صاحب سبتة ومراكش إلى المقتدي يطلب أن يسلطنه، وأن يقلده ما بيده من البلاد فبعث إليه الـخُلَعَ والأَعلام والتقليدَ ولقّبه بأمير المسلمين، ففرح بذلك وسُر به فقهاء المغرب”.
وبعد أن زاد ضغط الصليبيين الإسبان القادمين من الشمال استنجد المعتمد بن عباد بابن تاشفين، ونُقِلَ عنه في كتاب “دراسات في الدولة العربية في المغرب والأندلس” أنه قال:” رعي الـجِمال عندي خير من رعي الخنازير”، وذلك كناية عن تفضيله للسيادة الإسلامية، ودخل المعتمد مع ابن تاشفين الأندلس شمالاً وقاد ابن تاشفين الجيوش الإسلامية وقاتل الصليبيين قتالاً شديداً، وكانت موقعة الزلاّقة من أكبر المعارك التي انتصر فيها المسلمون انتصاراً كبيراً على الإسبان، وهُزم ملكهم ألفونسو السادس هزيمة منكرة. على أثر هذه الموقعة خَلَعَ ابنُ تاشفين جميعَ ملوك الطوائف من مناصبهم، ووحّد الأندلس مع المغرب في ولاية واحدة لتصبح أكبر ولاية إسلامية في الدولة العباسية، وكان الانتصار الذي حققه ابن تاشفين باعثا على مبايعة ملوك الأندلس وأمرائها له، وسموه أميرا للمسلمين، وقد أراد بعض أشياخ المرابطين أن يحملوه على اتخاذ لقب الخليفة فأبى واكتفى بلقب أمير المسلمين.
عاد إلى مراكش بعد وقعة الزلاقة فجهز جيشا كبيرا، وفي سنة 481 هجرية عبر ابن تاشفين للمرة الثانية البحر في اتجاه الأندلس، فتمكن من الاستيلاء على مدن عدة أبرزها غرناطة ومالقة .
واتخذ يوسف السواد شعاراً للمرابطين، وهو شعار الدولة العباسية نفسه، ولقد ذاع صيته بين العلماء والقضاة بخاصة وبين الناس بعامة، فتناقلوا أخباره وصفاته، وتواتر عنهم نقل صفات الشجاعة والحزم والعدل والزهد والإخلاص والتمسك بالإسلام وبدولة المسلمين الشرعية، حتى أثنى عليه معظم العلماء والفقهاء.
استقر يوسف ابن تاشفين بعد ذلك في قصره بمراكش، إلى أن توفي سنة 500 هجرية عن عمر ناهز المئة سنة بعد حياة حبلى بالإنجازات والبطولات.
ولا شك في أن يوسف بن تاشفين يعد من أعظم رجالات المغرب الإسلامي الذين كان لهم أثر ملموس في توجيه تاريخه، إذ قام بدور طلائعي في تاريخ المغرب. فقد قاد حركة واسعة لتعريب القبائل البربرية سواء في جنوب المغرب أو في شرقه. كما أسهم بشكل فعال في ترسيخ مبادئ الإسلام في المغرب أولا، ثم في الأندلس بعد ذلك. فإليه يرجع الفضل أولا وأخيرا في إنقاذ الإسلام في الأندلس مما يهدده من أخطار خصوصا خلال النصف الثاني من القرن الخامس الهجري .
رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.