إصلاح الاعتقاد من المقاصد الأساسية لتدبر القرآن مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن (7)

0 5

القاهرة: محمد إسماعيل

يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.

يقول الدكتور عبدالقادر سليماني في كتاب “تدبر القرآن الكريم حقيقته وأهميته في إصلاح الفرد والمجتمع”: من منطلقات حقائق تدبر القرآن استقرأ المفسرون المقاصد الأصلية والأبعاد، المتعلقة بمجالات النجاح والفلاح والإصلاح التي تحدث عنها القرآن الكريم، وقد لخصها العلامة ابن عاشور في مقدمة تفسيره بأمور عدة منها، إصلاح الاعتقاد، وتعليم العقد الصحيح، وهو أعظم سبب للنجاح والفلاح وإصلاح الخلق؛ لأن إصلاح الاعتقاد هو أصل النجاح والإصلاح، ومفتاح باب الصلاح والنجاح في العاجل، والفلاح في الآجل، لأنه يزيل عن النفس عادة الإذعان لغير ما قام عليه الدليل. ويطهر القلب من الأوهام الناشئة عن الشرك والشركيات، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ)، (سورة هود الآية: 101)، فأسند لآلهتهم زيادة تتبيبهم، وليس هو من فعل الآلهة، ولكنه من آثار الاعتقاد بالآلهة، فسبب هلاكهم ودَمَارهم، إنما كان باتباعهم تلك الآلهة وعبادتهم إياها.
أيضا تدبر آيات الذكر الحكيم تؤدي لإصلاح الأخلاق وتهذيبها، ولا يكون ذلك إلا بالتعليم الصحيح والآداب الإسلامية، قال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، (سورة القلم الآية: 4)، وفسرت عائشة – رضي الله تعالى عنها- لما سئلت عن خُلقه صلي الله عليه وسلم فقالت: “كان خُلقه القرآن”، وفي الحديث الذي رواه مالك في الموطأ بلاغا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بُعثت لأتمم حُسن الأخلاق). إن تدبر آيات الذكر الحكيم تهدي إلى إصلاح التشريع، والأعراف والقوانين المسيرة للمؤسسات (القضائية، الاقتصادية، التعليمية، الصحية… بما يتماشى والشريعة الإسلامية). قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)، (سورة النساء الآية: 105)، وقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)، (سورة المائدة: 48)، ولقد جمع القرآن جميع الأحكام جمعا كليا في الغالب، وجزئيا في المهم، فقوله تعالى: (تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ)، (سورة النحل الآية: 89)، وقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)، (سورة المائدة الآية: 3)، المراد بهما إكمال الكليات التي منها الأمر بالاستنباط والقياس.
يوضح الدكتور محمد الطاهر بن عاشور في كتاب “التحرير والتنوير”، أن تدبر آيات القرآن تهدي إلى إصلاح سياسة الأمة، وتدبير شؤونها، العامة والخاصة، في جميع المجالات الحيوية، وعلى جميع المستويات، وهو في حقيقة الأمر باب عظيم في القرآن الكريم، والقصد منه صلاح الأمة، أفرادا وجماعات، وحفظ نظامها، بإصلاح عقائدهم وأخلاقهم، وبإصلاح أمزجتهم بالمحافظة عليهم من المهلكات والأخطار والأمراض، وبمداواتهم، ودفع الأضرار عنهم، وبكفاية مؤنهم من الطعام واللباس والمسكن، بالمعروف، دون تقتير ولا سرف، وكذا بإصلاح أموالهم، بتنميتها وتعهدها وحفظها، وتربيتهم على المحافظة على وحدة الأمة وتماسكها، وعلى الوسطية والاعتدال في كل أمر، والبعد عن الشقاق والغلو والتطرف. وذلك بتدبر الآيات الخاصة بهذا الشأن، كقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)، (سورة آل عمران الآية: 103)، وقوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، (سورة الأنفال الآية: 46).
كما أن التدبر يهدي إلى النجاح والفلاح والإصلاح بالقصص، وأخبار الأمم السالفة: للتأسي بصالح أحوالهم؛ وذلك بتدبر الآيات الخاصة بهذا الشأن، كما جاء في قوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)، (سورة يوسف الآية: 3)، وقوله تعالى: (أولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ)، (سورة الأنعام الآية: 90)، وللتحذير من مساوئهم، قال تعالى: (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ)، (سورة إبراهيم الآية: 45).
إصلاح التربية
ويقول الدكتور عبدالله موسي محمد أبو المجد في كتابه “تدبر القرآن الكريم المصطلح والوسائل والغاية”: إن تدبر القرآن الكريم يقود للإصلاح بالتربية والتعليم، مناهجها وطرقها وبرامجها، بما يناسب حالة عصر المخاطبين، وما يؤهلهم إلى تلقي الشريعة ونشرها، وذلك علم الشرائع وعلم الأخبار، وكان ذلك مبلغ علم مخالطي العرب من أهل الكتاب. وقد زاد تدبر القرآن على ذلك تعليم حكمة ميزان العقول وصحة الاستدلال في أفانين مجادلاته للضالين، وفي دعوته إلى النظر، ثم نوه بشأن الحكمة، فقال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)، (سورة البقرة الآية: 269)، وهذا أوسع باب انبجست منه عيون المعارف، وانفتحت به عيون الأميين إلى العلم.
إن الغاية والقصد من نزول القرآن هو التدبر فيه والتفكر في معانيه، إذ إنه مفتاح للعلوم والمعارف، وحث للنفس نحو الخير، ولقد ركز سلفنا الصالح في تدبر القرآن على الجانب العملي، فعرفوا مقاصده ومراده واستنبطوا أحكامه، ووقفوا عند آياته، فحالهم كما قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: “رزقوا العمل بالقرآن”، وهذا ما تَحتاج إلى تَحقيقه الأمة اليوم، كما قال في آخر كلامه: “وإن آخر هذه الأمة يرزقون القرآن منهم الصبي والأعمى، ولا يرزقون العمل به”.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.