إعلانات حجابي عمل سياسي بامتياز…!

حسن علي كرم

حسن علي كرم

في المملكة العربية السعودية الجارة الشقيقة، يمنح الامير الشاب صاحب الرؤية المستقبلية والعنوان الصحافي اليومي العريض، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان المرأة السعودية حق قيادة السيارات، بجميع أنواعها وقيادة الدراجات وقيادة الطائرات، ويسمح لهن بالاختلاط في الجامعات والدوائر الحكومية والسفر من دون محرم، وتحريرها من غطاء الرأس (الحجاب والبرقع والنقاب) ويعتبر أن غطاء الرأس حرية شخصية ليس مفروضاً من الدين.
أذن المرأة السعودية قفزت قفزة، كانت المرأة الكويتية قد قفزتها قبل اكثر من ثلاثة ارباع قرن، فالكويتية قادت السيارة منذ منتصف الأربعينات من القرن الماضي، والمرأة الكويتية نزعت العباية، وارتدت الحجاب ليس بضغط من السلطة السياسية او الدينية، انما بدافع ذاتي، المرأة الكويتية اغتربت منذ أربعينات القرن الماضي طلباً للعلم. المرأة الكويتية التحقت ونالت الشهادات الجامعية في جامعات بيروت والقاهرة ولندن، وأميركا المرأة الكويتية وصلت الى سدة السياسة والوزارة والبرلمان سافرة او محجبة، ولم يحاسبها على ذلك احد، ولا احد يلتفت إلى المرأة الكويتية اذا ارتدت الحجاب او نزعته، ولا هناك مشكلة او ازمة اجتماعية تحدث او مخالفة للدين.
عندما احرقت طالبات ثانوية المرقاب عباءتهن في الخمسينات من القرن الماضي لم يفعلن ذلك تمرداً على سلطة الدولة او الدين، وانما بقدر ما كان تعبيراً عن وضع اجتماعي استجد في الدولة ينبغي مسايرته، فالسفور كان موجوداً منذ الأربعينات من القرن الماضي، من خلال المعلمات الوافدات والطبيبات والممرضات وزوجات الوافدين عرباْ و اجانب، ولم يكن السفور مرفوضاً او يشكل ازمة اجتماعية أو دينية، لان المجتمع كان منفتحاً ومتسامحاً، فالكويتيون مجتمع أسفار فقد جابوا البحار ووصلوا بلاد الهند وسيرلانكا في اسيا ووصلوا فرنسا ومصر ولبنان بريطانيا والعراق وايران وغيرها من البلدان بحثاً عن الرزق او التماساً للسياحة او للدراسة.
المرأة الكويتية في الازمنة القديمة، قبل التنوير، كانت تغطي رأسها بالملفع ووجهها بالبوشية والعباءة عند الخروج، ولم يكن ذلك بحكم ديني، انما بحكم العادة، ولكن شيئاً فشيئاً تحررت من البوشية والملفع، وكان لانتشار التعليم فضل في تحرير المرأة من البوشية والعباءة ايضاً.
خلاصة القول لم يكن الحجاب او الملفع او البوشية او العباءة للمرأة الكويتية مفروضاً بحكم الدين او السلطة الحاكمة، فالمرأة الكويتية لم تكن تنتظر او بحاجة الى أوامر ماذا تلبس او لا تلبس؟
كيف نقرأ اعلانات “حجابي” المزروعة والمفاجئة في شوارع الكويت؟ هل نقرأها من جانبها الديني او السلطوي او الاجتماعي، وهل باتت المرأة الكويتية مجبرة بعد عقود طويلة من التحرر والتعليم والتنوير والانفتاح على الثقافات ان تعود او تجبر او يفرض عليها الحجاب او النقاب او البرقع او اي شكل من أشكال غطاء الرأس والوجه، وهل المرأة الكويتية بجميع فئاتها الاجتماعية تقبل لتعود الى زمن ولى وانقضى؟
لا جدوى من فتح حوار او نقاش او سجال او معارك على موضوع منته وغير مطروح، أذن ما بال هؤلاء الذين نصبوا في الشوارع والنواصي إعلانات تحض النساء على الحجاب، وكأن الحجاب موضة تم اكتشافها تواً، ويأتي هذا في الوقت الذي لا يلتفت فيه احد الى المرأة ان كانت محجبة او سافرة، ولكن لماذا الان في الوقت الذي فيه السعوديات أخذن يتحررن وبايعاز من السلطة من الكثير من الظواهر التي كانت مقيدة للمرأة، ومشاركتها مع الرجل في التنمية وتقليص نفوذ الشرطة الدينية، وايضاً لماذا الان، هل لان هناك ما يسمى ظهور “الفاشينيستات” على لوحات الإعلانات في الشوارع يروّجن لبضائع وسلع، بمعنى شيء مقابل شيء؟
من هنا أستطيع الزعم ان ظهور إعلانات الحجاب في الشوارع بغطاء ديني ينم عن ان للمعلنين نوايا اخرى لا علاقة لها بالدِّين ولا بالجنة او بالنار، ولا هو من قبيل النصيحة او التذكير باللباس الشرعي للمرأة، بقدر ما هو عمل سياسي ينم عن خلط للأوراق وفرض امر مقابل امر بمعنى ارفعوا إعلانات الفاشينيستات من الشوارع “واحنا” نرفع إعلانات الحجاب، وعليكم ان تتأملوا جيداً تصريحات نواب التأسلم وخصوصاً جمعان الحربش ووليد الطبطبائي حتى نعرف ان وراء الأكمة ما وراءها.
لعلي افهم عندما يصدر تصريح او مشروع او بادرة او عمل من جهة حكومية يفترض ان يكون بايعاز من المسؤول الأعلى المختص ان كان وزيرا او وكيل وزارة أو غير لك، ولكن عندما يبادر موظف صلاحياته التنفيذية محدودة الى عمل يخالف سياسات الجهة الحكومية التي يعمل فيها، على الاقل ظاهرياً هنا الا يحق لرئيس مجلس الوزراء ان يحاسب الوزير المختص ويضعه امام مسؤولياته، اما الاستقالة او الإقالة، كيف يتجرأ موظف في وزارة “الاوقاف” ان يبادر بحسب تصريحات وزارة “الاوقاف” الى كتابه لوحات الإعلانات عن “حجابي” وتثبيتها في الشوارع ثم يرمي كبار المسؤولين في وزارة “الاوقاف” ان الوزارة ليست مسؤولة عن الإعلانات، وان الموظف عملها ببادرة شخصية، هل يصدق هذا الزعم احمق حتى يصدقه عاقل ؟
لقد قلنا أنفاً ونكرر لوحات إعلانات “حجابي” عمل سياسي وبامتياز وخلط للأوراق ويريدون منها انبثاق معركة وهمية لتشغيل المجتمع وبخاصة مع اقتراب حكم التمييز بقضية اقتحام المجلس وتوجسات لحل المجلس، انهم يلعبون بالنار، ويريدون ان يأخذوا الجميع معهم الى جهنم!

صحافي كويتي