إلام الخلف بينكم إلاما؟ محبرة وقلم

0 222

مشعل عثمان السعيد

الاختلاف في اللغة يعني عدم الاتفاق، وعندما أختلف مع إنسان في الرأي فإني آتي برأي مخالف له، وعندما يختلف الشيآن لم يتساويا وهو لاشك التضارب بالرأي، والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية أبدا، لكن التفرد بالرأي وإرغام الآخرين على التسليم برأي وقبوله من دون مناقشة يفسد للود قضايا، لان احترام الرأي والرأي الآخر ظاهرة صحية استغلها ضعاف النفوس لشيء ما في نفس يعقوب، وهي الأغراض الشخصية حتى أنهم أصبحوا يقولون: هذا لنا وهذا علينا وهذا معنا وهذا ضدنا، من كان معي فحي هلابه، ومن كان ضدي فيذهب إلى الجحيم، وهؤلاء القلة من الناس لا يستفيد منهم حتى من كان معهم، والحقيقة أن الناس أيام قوة الدولة الاسلامية لم يكونوا كذلك أبدا، كان الطرمّاح بن الحكم على مذهب الخوارج يرى رأي الشراة وكان الكميت بن زيد معروفا بتشيعه وحبه لآل البيت ورغم اختلاف مذهبيهما كانت بينهما خلة وصداقة ومودة، حتى أنهما كانا يصليان في مسجد واحد، ويتفقدان بعضهما البعض، والطرماح شامي النشأة والكميت كوفي، والأول طائي والثاني أسدي إلا أنهما كانا يسكنان الكوفة، كل له رأيه من دون خصام أو تحيز أو مجادلة، فلنختلف ولكن الاختلاف الراقي ألا نستخدم العبارات التي تسيء إلى بعضنا البعض. كان الخوارج يقاتلون المهلب بن أبي صفرة في النهار، ويتبادلون الأحاديث مع جنوده ليلا ويتسامرون، ويقول أمير الشعراء أحمد شوقي:
إلام الخلف بينكم إلاما
وهذي الضجة الكبرى علاما
وفيم يكيد بعضكم لبعض
وتبدون العداوة والخصاما
وأين الفوز لا مصر استقرت
على حال ولا السودان داما
وأين ذهبتم بالحق لما
ركبتم في قضيته الملاما
لقد صارت لكم حكما وغنما
وكان شعارها الموت الزؤاما
وثقتم واتهتم في الليالي
فلا ثقة أدمن ولا اتهاما
شببتم بينكم في القطر نارا
على محتلة كانت سلاما
اذا ماراضها بالعقل قوم
أجدلها هوى قوم ضراما
تراميتم فقال الناس قوم
إلى الخذلان أمرهم ترامى
وكانت مصر أول من أصبتم
فلم تحص الجراح ولا الكلاما
إذا كان الرماة رماة سوء
أحلوا غير مرماها السهاما
أبعد العروة الوثقى وصف
كأنياب الغضنفر لن يراما
تباغيتم كأنكم خلايا
من السرطان لا تجد الضماما
أرى طيارهم أوفى علينا
وحلق فوق أرؤسنا وحاما
وانظر جيشهم من نصف قرن
على أبصارنا ضرب الخياما
فلا أمناؤنا نقصوه رمحا
ولا خواننا زادوا حساما
ونلقي الجو صاعقة ورعدا
إذا قصر الدبارة فيه غاما
اذا انفجرت علينا الخيل منه
ركبنا الصمت أو قدنا الكلاما
فأبنا بالتخاذل والتلاحي
وآب بما ابتغى منا وراما
لا أريد ان اطيل عليكم بهذه الآبيات، فهي اكثر مما ذكرت، وقد وصف حالنا أمير الشعراء قبل عشرات السنين ومازالت الحال كما هي، بل ازدادت سوءاً، وكي أخرج بكم من هموم الدنيا ومشاكلها، أذهب إلى الطرماح بن الحكم، والطرماح بكسر الطاء المشددة والميم وهو شاعر قحطاني من قبيلة طي، عاصر معظم دولة بني أمية لأنه توفي عن سن عالية في السنة الأخيرة من خلافة هشام بن عبدالملك عاشر خلفاء بن أمية عام 125 هجري وكان مولد الطرماح الشام ثم انتقل إلى الكوفة، وعرف بأنه من كبار شعراء عصره وكان ذا هجاء مقذع وهو القائل في قوم بني تميم ولن يضرهم قوله فيهم إذا ما قورن بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا:
تميم بطرق اللوم أهدى من القطا
ولو سلكت سبل المكارم ضلت
ولو أن برغوثا على ظهر نملة
رأته تميم من بعيد لولت
ومعنى الطرماح في اللغة: الرجل الطويل كالرمح الواضح النسب الطامح إلى الأمر، وفي قاموس المعاني، معنى الطرماح الرافع رأسه زهوا وتكبرا، وقد رد الفرزدق، همام بن غالب على هجاء الطرماح وقال أبياتا منها:
لقد هتك العبد الطرمّاح ستره
وأصلي بنار قومه فتصلت
سعيرا شوت منهم وجوها كأنها
وجوه خنازير على النار قدت
ولو أن عصفورا يمد جناحه
على طي في دارها لا ستظلت

جف القلم ونشفت المحبرة في أمان الله.
كاتب كويتي

You might also like