إلى الشيخ عبد اللطيف المحمود مع التحية

0 10

بقلم د.عمر الحسن

مطالبة الدكتور الشيخ عبد اللطيف المحمود، رئيس تجمع الوحدة الوطنية، وزارة التربية والتعليم في البحرين بتصحيح ما ورد في كتاب “تاريخ البحرين الحديث والمعاصر” الذي أقرته الوزارة العام الحالي، من معلومات عن وقفتي الفاتح، دفعتني إلى إلقاء الضوء على هاتين الوقفتين، وعلى “تجمع الوحدة الوطنية”، كونهما وضعتا خطًا أحمر فاصلاً لا يمكن لأحد تجاوزه حين يأتي الأمر إلى الدفاع عن الوطن وحمايته.
في ديسمبر 2010، وأوائل عام 2011، ضربت عاصفة من الاحتجاجات دول عربية عدة، بدءًا بتونس، مرورًا بمصر، ثم امتدت إلى اليمن وسورية وليبيا. ورغم أن الأسباب التي أدت إلى اندلاع هذه الاحتجاجات لم تكن موجودة في البحرين، إلا أن جماعة متمردة بحرينية مدعومة من إيران استغلت هذا الظرف، وحاولت استنساخ ما حدث في تونس ومصر؛ لتشهد المملكة أزمة تسببت في عرقلة الحياة الاقتصادية، وخلقت حالة من الاصطفافات الطائفية، وهددت الأمن والاستقرار في البلاد.
وفي نقطة تحول فارقة في تاريخ البلاد؛ جاءت الإجابة من الأكثرية الوطنية التي خرجت من جميع المحافظات، ففي مشهد هو الأول من نوعه تجمع صوب جامع “الفاتح” يوم 21 فبراير 2011 أكثر من ثلاثمئة وخمسين ألف مواطن ومواطنة؛ استجابة لدعوة الدكتور الشيخ عبد اللطيف المحمود، كان من ضمنهم علماء دين ووجهاء وأعيان وشباب وممثلون عن أطياف وفعاليات مختلفة من الشعب، سنة وشيعة، نساء ورجالاً، شبابًا وكهولاً، ليعلنوا من هناك إعلاء قيم الوحدة الوطنية والالتزام بشرعية نظام الحكم، ودعم الحوار الوطني للخروج من الأزمة القائمة. أما التجمع الثاني فكان يوم 2 مارس 2011 وضم قرابة 450 ألف مواطن.
حملت هاتان الوقفتان إطارًا وطنيًا جامعًا أُطلق عليه “تجمع الوحدة الوطنية”، فالوقفة الأولى شكلت –بخاصة- مسار الأحداث باعتبارها مثلت الدرع الداخلي الأول للتصدي إلى محاولات شق الصف الوطني، حيث أثبتت الإرادة الوطنية من قبل القوى البحرينية قدرتها على الوقوف والتصدي للمؤامرة المتمثلة في إثارة الفتن الطائفية وزعزعة أمن واستقرار المملكة.
انبثق عن التجمع “جمعية الوحدة الوطنية” التي تأسست في يونيو عام 2011 من خلال تصويت نال 126 صوتًا من بين 182 من أعضاء التجمع، لتعبر عن أكبر توافق وطني عرفه وشهد به تاريخ البحرين، ضم مختلف أطياف المجتمع على تنوع مذاهبها وطوائفها وأديانها، وانتخب الأعضاء الدكتور عبد اللطيف المحمود رئيسًا للجمعية التي تبنت التوجه الوطني، مستندة إلى مبادئ عدة هي: احترام الدستور وسيادة القانون، والمحافظة على استقلال البحرين وأمنها، وصون الوحدة الوطنية بين جميع طوائف الشعب وأعراقه، ونبذ العنف بجميع أشكاله، وعدم الارتباط التنظيمي أو المالي بأي جهة غير بحرينية. كما أعلنت سعيها لتحقيق أوسع تمثيل لجميع فئات وقطاعات الشعب المختلفة، والمشاركة في إدارة الشأن العام وصناعة القرار السياسي.
وفي 1/8/2011 عقدت الجمعية مؤتمرها العام، وانتخبت أعضاء اللجنة المركزية الذين مثلوا عددًا من التيارات التفت حول قيادة المحمود، متأهبة لأخذ زمام المبادرة إلى قيادة المجتمع نحو مستقبل أفضل، منهم مجموعة من رجال الأعمال يمثلون التيار الاقتصادي غير المنتمي لتيار سياسي، وتيار قومي عروبي ديمقراطي له توجه وحدوي يعمل من منطلق كون البحرين جزءًا من محيطها العربي الخليجي، وكتلة الشباب، وعدد من القيادات الدينية المعتدلة.
ومن خلال هذا التنوع الفكري والمهني والسياسي سعى عبداللطيف محمود إلى وضع مشروع شامل نحو إحداث تغيير في المشهد السياسي، وفي مفهوم المعارضة، وفي أسلوب الدفاع عن الحقوق واستنهاض المجتمع لتحقيق تطلعاته نحو حياة حرة كريمة، فصهر هذا التنوع في بوتقة ليُكوِّن منظومة عمل واحدة تجعل من اختلافاتها وتنوعها قوة بناء وفرصة لفهم الآخر وقبوله.
وفي حين يُعترف أن الأصوات التي كانت تمثل في حقيقتها تكوينات وجهات سياسية وطائفية مُدعية أنها جمعيات تدافع عن حقوق الإنسان، لم تقم برصد وتوثيق كثير من الوقائع والانتهاكات التي ارتكبت وقامت بالاحتجاج عليها، واستخدمت معايير متباينة واتبعت سياسة الكيل بمكيالين، وتجلى ذلك في موقف بعضها، إذ لم يتوقفوا يومًا، بدعم من أعلى المسؤولين في إيران وأذرعها الداخلية والخارجية مثل الأمين العام لـ”حزب الله” وغيره، عن تأجيج المشاعر الطائفية وتحريض المواطنين على الدولة وتكريس حالة من الانقسام.
وبدا واضحًا أن وسائل الإعلام الإيرانية الطائفية، وبخاصة الفضائيات،إلى جانب دور بعض وسائل الإعلام الأجنبية والمنظمات الدولية، قد مارست دورًا أساسيًا في التأجيج وتصوير الأمور على غير حقيقتها، واتضحت خرائط ومشاريع وغايات هذه التدخلات بشكل كبير، وهو ما عبرت عنه خطابات رئيس الجمعية الذي وصف الأزمة التي مرت بها البحرين بأنها “سياسية – طائفية”، مُتهمًا جمعيات التأزيم المعارضة بالسعي لتحقيق مطالب طائفية وإقصائية، مؤكدًا في بيان الجمعية الأول” أنه في هذه اللحظة التاريخية، اتخذ شعب البحرين موقفًا متوازنًا، فخرجت الجماهير تعبر عن رفضها لما قامت به فئة من الناس حاولت اختطاف الوطن”.
وانبثق من الجمعية مجلس مكون من 15 شخصًا تبنى خطة تمثل مجموع الشعب بكل طوائفه ومكوناته، فعمل بداية على رأب الصدع وعودة اللحمة الوطنية، وحض رئيس الجمعية المواطنين كافة، في لقاء جماهيري يوم 22 يوليو 2011، على ضرورة التعاون مع لجنة تقصي الحقائق التي تم تشكيلها بالتعاون مع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة للتحقيق في أحداث فبراير المؤسفة.
وفي الإطار ذاته، تجلى موقف الجمعية من المشاركة في أي حوار على محورين، الأول: سياسي، لحل الأزمة السياسية.
والثاني: علاج الاحتقان الطائفي الذي أفرزته الأزمة بين طوائف عاشت وتشاركت وتعاونت ضمن النسيج الوطني البحريني.
ومن خلال ذلك، صدرت عن الجمعية ثلاث وثائق أسهمت في معالجة الاحتقان والقضايا التي تؤرق المواطن وتؤخر التنمية، الأولى: كلمة رئيسها في المؤتمر العام الذي عقد 10 يوليو 2012، وتأكيده أن المعارضة مسؤولة عن إيصال البلاد إلى هذه الحالة برفضها الدخول في الحوار، وأن الجمعية تسعى لأن يوجد تمازجًا بين مختلف المصالح المجتمعية للوصول إلى مشتركات يمكن أن تُخرج البلاد من أزمتها.
الثانية: التقرير السياسي حول الوضع السياسي وأسباب الأزمة وتداعياتها وما نتج عنها، مقرًا أنه لا يوجد مستقبل للعنف أو الحلول الأمنية أو رفض الحوار، وأن الحل يكمن في طرح مبادرة يقبل بها الجميع لحل الأزمة.
هذه المبادرة طرحتها الجمعية في الوثيقة الثالثة تحت مسمى “ملخص المشروع السياسي” في 2012، والذي ارتكز على أن مستقبل البلاد هو مسؤولية مشتركة لا تحتكرها جهة، ولا تأتي إلا من خلال حوار وطني، كما يستند إلى قناعة أن الإصلاح السياسي مطلب وطني لجميع فئات المجتمع، وهو القاعدة للإصلاح في جميع مناحي الحياة، وأن المواطنة هي حقوق وواجبات ومشاركة والتزام بثوابت المجتمع الدستورية.
وأقر أيضًا بأن الاستقرار والأمن يقومان على الحرية والعدالة والمساواة، وأن الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة هي مطلب شعبي جامع يُؤسَس على القاعدة الدستورية “الشعب مصدر السلطات”.
وفي العام نفسه أطلق الشيخ عبد اللطيف المحمود مبادرة تدعو إلى إنهاء الأزمة، انطلاقًا من مجموعة من المبادئ حددها في 11 نقطة، أهمها: أخذ القيادات الدينية والسياسية من جميع الأطراف بزمام المبادرة، والعمل على الإصلاح، وإيقاف جميع أعمال العنف وإدانتها، والتأكيد على المحافظة على الانتماء العربي والإسلامي للوطن باعتباره أصلاً ثابتًا لا تفريط فيه، وأنه لا يجوز بأي حال أن يكون الحوار على حساب الوطن والمواطنين، أو على حساب الأمن.
وعليه، ظلت جمعية الوحدة الوطنية خلال السنوات اللاحقة على نشأتها تعمل على المحافظة على السلم الأهلي وعدم ممارسة أي عمل يعرضه للخطر، وترك التصدي لأي تجاوزات للأجهزة الأمنية.
ويتمتع الدكتور الشيخ عبد اللطيف المحمود بسمات عدة جعلت الشعب يلتف حوله؛ منها: جرأته في قول الحق والأمر بالمعروف وإنكار المنكر، وما لمسوه منه من صدق في خدمة دينه وعروبته والولاء لوطنه وقيادته، وثقة القيادة بشخصه وبشخصيته المعتدلة، ينتهج أسلوب الحوار في سياسته الساعية إلى توحيد الجهود ولم الشمل وليس التفريق والهدم، وهو ما أكده في تعامله مع تطورات الأحداث، وهو القائل:” الحوار يجب أن يستمر، فلا يجوز أن يفرض أحد الأطراف رؤيته على الآخرين”.
وقد عبر نائب رئيس الوزراء البحريني الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة يوم 21 فبراير2013، في الذكرى الثانية لتجمع الوحدة الوطنية، عن تقدير القيادة السياسية لأهل الفاتح، واهتمامها بدراسة المطالب التي طرحتها بهدف العمل على تنفيذها، حيث أصبحت الجمعية بمثابة همزة الوصل التي تنقل مطالب المواطنين إلى الحكومة، وتسعى إلى تحقيقها.
وللجمعية وقيادتها احترام وتقدير لدى القيادة السياسية، فزيارة رئيس الوزراء الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة إلى مقرها يوم 6 أغسطس 2013، حملت العديد من المعاني والدلالات من حيث توقيتها، والرسائل التي تضمنتها، حيث مثلت تأكيدًا لمتطلبات عملية التحشيد الوطني لمواجهة التحديات، وعمق التمثيل الشعبي الذي تمثله الجمعيات السياسية المختلفة والأدوار التي تلعبها كل منها.
وأختم… تعتبر “جمعية الوحدة الوطنية” من الأطر الرئيسية الجامعة القادرة على تحشيد وتحفيز المواطنين بمختلف شرائحهم لمواجهة التحديات التي تواجه البلاد، فهي ضرورة سياسية تعبر عن غالبية الشعب الذي خرج صوب جامع الفاتح في فبراير 2011 ليثبت للقاصي والداني أن ولاءه لوطنه، مؤمن بقيادته، يريد الحفاظ على مكتسباته، ولا مكان فيه إلا للمخلصين للنظام وللإجماع عليه. لقد اقترب موعد الانتخابات النيابية، وآمل أن يكون لهذه الجمعية في الدورة المقبلة عدد من النواب يضطلعون بدور في التشريع والمراقبة من أجل تقدم الوطن ورفعته تحت قيادة عاهل البلاد حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله ورعاه.

رئيس مركز الخليج للدراسات الستراتيجية

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.