إما أن نكون كويتيين لا نُعلي انتماءً عليها أو لا نكون

0 8

كتب- أحمد الجارالله:

ليست الدولة سوقاً للبيع والشراء، ولا الطائفة والقبيلة والحزب غطاء وانتماء فوق الوطن، فإما أن تكون كويتيا لا تُعلي انتماء عليها أو لا تكون، فما يجري من تناحر على المصالح الشخصية والانتخابية لا يختلف عما كان سائداً في أسواق النخاسة قديما، فهذا المتنفذ له نوابه وذاك الشيخ له محاسيبه ونوابه، وتلك الطائفة لها المتسترون بها من أجل مكاسب دنيئة، وتلك القبيلة لها جنودها الذين يقاتلون تحت راية متنفذيها، حتى بات الوطن أشبه بساحة حرب، الغلبة فيه لمن يمارس إرهابا أكثر من غيره.
في الدول الديمقراطية، وحيث حرية الرأي والتعبير أكثر اتساعاً من الكويت بمساحات ضوئية، لا يتقاسم المتنفذون مجلس النواب لممارسة الإرهاب على السلطة التنفيذية، كما هي الحال عندنا، هذه السلطة المفترض أنها قائمة على التضامن ووحدة القرار، وليس الخضوع المذل لهذا النائب أو ذاك في تمرير المعاملات غير القانونية، ومن كان لديه ضمير من الوزراء يواجه بعصا الاستجواب وسيل الأسئلة البرلمانية التي لا يراعي فيها النائب حرمة أسرار الدولة، ولا القانون والدستور، لأن المهم عنده مصلحة الـ”ريموت كنترول” الذي يحركه.
هكذا كانت الحال مع حقول الشمال التي أريق دمها بين المتنفذين عبر أدواتهم النيابية مستخدمين التهويل لعدم حصولهم على حصة من كعكة المشروع الذي كان سيدر على الدولة نحو مئة مليار دولار، وتوفير عشرين الف فرصة عمل، ولأن الحكومة لم تستطع ان تحمي مشروعها سقطت تحت وطأة الترهيب النيابي، تماما كما أصيبت بغيبوبة حيال الدفاع عن مشروع الـ”داو” فتكبدت خسائر بمليارات الدولارات.
هذه ليست نهاية المطاف في تلك السلسلة الطويلة من التخلي الطوعي عن المسؤوليات الدستورية والصلاحيات، فثمة العديد من المشاريع التي ازكمت رائحة الفساد فيها الانوف، وجعلت المؤسسات الرسمية تبدو مهترئة غير قادرة على ستر نفسها، وليس فقط الدفاع عن مشاريعها، وهو ما تجلى بوضوح في ممارسة الديكتاتورية النيابية، ضد الوزراء، بل ضد كل من يحاول الدفاع عن الدولة، عبر نعته بأبشع النعوت.
الضعف الذي ظهرت عليه السلطات تسبب بين عامي 2011 و2013 بتهديد الاستقرار والسلم الأهلي حين استشف المتنفذون أن هناك سعياً من صاحب السمو الأمير مستندا إلى رؤية حكيمة بعيدة المدى لتخليص الكويت من آفة الانقسامات القبلية والطائفية عبر تصحيح الخلل في قانون الانتخاب، ونظام التصويت، فكان مرسوم الصوت الواحد الذي قوبل بمحاولات للتخريب والفوضى.
ولم تكن عملية التشهير بالسلطة القضائية والاعتصامات اما قصر العدل، أو اقتحام مجلس الامة عنوة، والتخريب فيه إلا خطوة في مسيرة تقويض المؤسسات، ولذلك جاءت الاحكام النهائية، لتعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وتفضح سلسلة اكاذيب البطولات عمن غرر بشباب كي يصل الى مبتغاه، غير انه كان اول الهاربين من تنفيذ القانون، محتميا بجماعة “الاخوان” رافعا راياتها ورايات احزابها والدولة المحكومة منها، فيما هو لا يقف احتراما للعلم الكويتي والسلام الوطني فيعتبر الاول “خرجة” والثاني من المحرمات.
هؤلاء الذين يتباهون اليوم بسياحتهم في الخارج فيما هم هاربون من تنفيذ الاحكام، ارادوا في لحظة خداع سياسي ان يظهروا انفسهم حماة هذا الوطن المدافعين عن ماله العام، بينما كانوا الأكثر إفساداً بقوة الترهيب في المؤسسات الرسمية، حتى جعلوا من العلاج في الخارج سياحة للمفاتيح الانتخابية، وهدروا الاموال العامة من دون ان يرف لهم جفن، او تأنيب ضمير.
في كل برلمانات العالم هناك مساءلات دستورية شبه يومية، لكنها تجرى للإصلاح الحقيقي وليس للابتزاز، وحلب ضرع الدولة، وجعلها أرضا قاحلة لا يمكن أن يزرع فيها أي نبت طالما لم تكن لهم مصلحة فيه.
صحيح أن الديمقراطية، كما اصطلح على تعريفها منذ بدأها الاغريق قبل آلاف عدة من السنين هي حكم الشعب للشعب، لكن هذا الحكم له عقل يديره وهو السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهناك سلطة الرقابة الشعبية المتمثلة بالاعلام الحر، فاذا كانت السلطة التشريعية تعمل على مصادرة السلطة التنفيذية فهذا يعني حكم الغوغاء، فتصبح الدولة غابة، ولا تقتصر سلطة الرقابة الشعبية على الاتهامات والقدح والذم والبذاءات.
منذ ما بعد التحرير الى اليوم لم تستقم السلطتان التشريعية والتنفيذية بسبب الصراع على المصالح بينهما، لذلك ما ان نخرج من ازمة حتى ندخل اخرى، وكما اسلفنا في مقالة سابقة، تبقى كلها من دون حلول، لان تأتي اخرى تغطي على الاولى، فها نحن اليوم نغرق في ازمة مكيفات التبريد في المدارس، لكن بدأت اخرى تغطي عليها، وهي الغاء حصص الموسيقى والفنون من المنهج التعليمي، بانتظار مسرحية جديدة تركز عليها الاضواء، او تكون المعالجات مجرد مسكنات، او استفزاز وتمصلح واستقواء على هذا او ذاك.
ان الدولة القوية هي حكم حكومة، ميزتها القرار الصلب العادل لا يرهبها تهديد من نائب او استجواب، ولهذا فان التلويح بالاستجوابات حاليا هو تمهيد لمواجهة بين المتمصلحين على حساب النواب، وعلى الحكومة ان تقابل ذلك بقوة القرار وتعمل وفق المثل الكويتي “لا تبوق ولا تخاف”.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.