إنهم يغتالون لبنان الحرية

عرف لبنان منذ نهاية الامبراطورية العثمانية باتساع فسحة الحرية فيه في النشر والكتابة والاعلام، وفي كل مرة كان يحاول أي طرف المس بالجسم الاعلامي ينتهي الأمر بهزة سياسية وأمنية كبرى، ففي العام 1958 كان احد أسباب تأجيج الحرب اغتيال الصحافي نسيب المتني، وفي العام 1980 كان اغتيال رياض طه وبعده سليم اللوزي بيد عملاء المحتل السوري، محاولة لقمع حرية الرأي والتعبير، لكن رغم اللعبة الكبرى وقتها التي كانت تدار من خلالها الحرب، بقيت حرية الصحافة صامدة، ولم تستطع أي قوة هزها.
اليوم حين يعرّي الحكم إعلاميا بقامة مارسيل غانم من الحماية المعنوية السياسية عبر وزير العدل التابع لتيار ميشال عون، والآتي من عهود القمع البائدة، فإنه يدفع الأزمة في البلاد الى درجة المواجهة التي معها يتحسس كل الاعلاميين اللبنانيين رقابهم خوفا من عمليات الاغتيال والقمع التي يمارسها «حزب الله» وادواته وحلفاؤه علنا، وعندها تصدق مقولة غانم في احدى مقدمات برنامجه الشهير «كلام الناس» ان «المهيمنين على القرار في البلاد يريدون الشعب قطيع غنم»، يسير وفقا لمزاج الراعي «حزب الشيطان».
لم يسبق للبنان أن عاش حالة سوداوية مثل ما هو حاصل حاليا، مع تهديد صحافييه وحتى الاعلاميين العرب الذين تستضيفهم وسائل الاعلام اللبنانية، كما حصل مع غانم وضيوفه في الحلقة الشهيرة، وهذا يدل على أن التهديد الارهابي لـ«حزب الشيطان» العابر للحدود، وصل ايضا إلى الإعلام العربي، فهل سيرسل الحزب فرق اغتيالاته لقتل الصحافيين العرب المعارضين لموقفه، كما اغتال العديد من السياسيين والاعلاميين اللبنانيين بدءا من رفيق الحريري مرورا بجبران تويني وليس انتهاء بمي شدياق؟
أم أن لبنان سيلاحق الصحافيين العرب في العالم ليتحول نسخة طبق الأصل عن نظام الملالي الذي باتت سفاراته بمثابة مخافر ترفع الدعاوى على الإعلاميين والصحف؟
لكن مهما كانت الصورة سوداء، فان ثمة نقطة بيضاء فيها آخذة بالاتساع، بدأت من استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري الذي كشف الغطاء واشعل فتيل ثورة على «حزب الله» استنهضت اللبنانيين وكسرت حواجز الخوف، فاذا كانت زوبعة الضاحية الجنوبية المعارضة للحزب أخمدت بقوة مرتدي القمصان السود والاقنعة السوداء، وتحولت رفعا لشعارات «الصبابيط وتقبيل نعالها» فاليوم الأمر اختلف كثيرا، بعدما وصل الارهاب الى محاولة تخويف الاعلام اللبناني وهو ما لن يستطيع الحزب مواجهته مهما توهم في نفسه من قوة.
ما يجري مع مارسيل غانم، وقبله كثيرين، معيب للبنان الحريات، والمؤسسات كافة، لانه يجرد الديمقراطية اللبنانية من مضمونها، وربما على رئيس الجمهورية الذي قبل ان ينطلق التهديد لهذا الاعلامي الجريء من قصر الحكم في بعبدا أن يعيد حساباته، ليخرج من ارتهانه لـ«حزب الشيطان» الذي لا يريد أي صوت غير صوته في بلد أساسه حرية الرأي، فاذا كان اللبنانيون حتى اليوم ينتقدون تدخل الاستخبارات في عهد فؤاد شهاب بالصحافة والاعلام، ويطلقون على تلك المرحلة «حكم الدكتيلو» رغم أنه لم تهدر فيها نقطة دم لإعلامي، فإنهم لن يقفوا مكتوفي الايدي في مواجهة ما تتعرض له رئة حريتهم التي هي الاعلام، رغم كواتم الصوت الايرانية التي تسرح وتمرح في لبنان، ولهذا لا بد من أن يجيب الرئيس ميشال عون: هل يستطيع دفع هذه الفاتورة؟

أحمد الجارالله