محبرة وقلم

“إنّ بعض الظن إثّم”… صدق الله تعالى محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

الظن، إدراك الشيء مع ترجيحه، وقد يكون مع القين، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم): “إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث” وهو كل ما يقع في ذهنك بغير دليل لا أساس له، وعندما تقول: “فيما أظن” فقد دخلت مرحلة الشك، وحسن الظن أفضل من سوء الظن، والظن ضد اليقين، وقد جاء في لسان العرب أن الظن شك ويقين، إلا أنه ليس بيقين عيان، إنما يقين تدبر، وقد قرن الله تعالى الظن بالإثم حيث قال عز من قائل: “يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم”(الحجرات -112)لذلك أحسنوا الظن، يقول ابن مقبل:
“سأترك للظن ما بعده
ومن يك ذا ريبة يستبن
فلا تتبع الظن إن الظنون
تريك من الأمر ما لم يكن “.
وقد صدق هذا الشاعر في ما قاله، فالظن يشرد بك ويورد ويريك أموراً لا صلة لها بالواقع، يقول أكثم بن صيفي: “من أحسن الظن أراح النفس”، وقال الطرماح بن الحكيم (ت 125 هـ):
“متى ما يسوء ظن أمرئ بصديقه
وللظن أسباب عراض المسارح
يصدق أمورا لم يجنه يقينها
عليه ويعشق سمعه كل كاشح”.
وفي سوء لظن يقول يحيى بن زياد:
“وسوء ظنك بالأدنين داعية
لأن يخونك من قد كان مؤتمنا”.
وقال البهاء زهير لحبيبه الذي أساء الظن به:
“ما له عني مالا
وتجنى فأطالا
أترى ذاك دلالا
من حبيبي أو ملالا
كيف أنسى لك أو أسلو
جميلا أو جمالا
أنت في الحسن إمام
فيك قلبي يتوالى
لا وحق الله ما ظنك
في حقي حلالا
إن بعض الظن إثم
صدق الله تعالى
سيدي لم يبق لي حبك
بين الناس حالا
فإذا غبث تلفت
يمينا وشمالا
أنت روحي لا أرى لي
عنك صبرا وانفصالا”.
وهذه الأبيات الجميلة معروفة لدى عشاق فن الصوت، غناها المرحوم عبداللطيف الكويتي.
حسن الظن بالناس علامة الفطرة السليمة، وهي راحة للقلب، وسلامة من الخواطر المقلقة، وانشراح للصدر، وربما سبب الظن العداوة والبغضاء بينه وبين الناس، وفي ذلك يقول أبو الطيب المتنبي:
“إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه
وصدق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه بقول عداته
فأصبح في داج من الشك مظلم”.
ويقول الشاعر:
“أحسن الظن تعش في غبطة
إن حسن الظن من أوفى الجنن
من يظن السوء يجزى مثله
قلما يجزى قبيح بحسن”.
كان رجل يظن برجل ظنا سيئاً، لم يكن يحسن الظن بهذا الرجل على الإطلاق، لذلك كان لا يحبه ولا يريد أن يراه، فمر الرجل بأزمة مالية فهب أصحابه لمساعدته، ففوجئ أن من كان يظن به ظنا سيئا أكثرهم وقوفا إلى جانبه في هذه الأزمة، فنظر لهذا الرجل نظرة إجلال وإكبار، فظنوا الخير، ولا تستعجلوا الحكم على الرجال.
روي أن زياد بن أبيه كان يجل ويحترم الأحنف بن قيس، فلما مات زياد وتولى العراق ابنه عبيد الله، وكان سيئ الظن به حتى أنه قدم عليه من هو دونه، ثم وفد عبيد الله بأشراف العراق على معاوية بن أبي سفيان، فطلب منه أن يدخلهم عليه، فأدخلهم وجعل آخرهم الأحنف لسوء ظنه به، فلما رآه معاوية أكرمه وأجله وأجلسه إلى جانبه، وأخذ أشراف العراق في الثناء على عبيد الله والأحنف ساكت، فقال معاوية: “لم لا تتكلم يا أبا بحر”؟ قال: “إن تكلمت خالفتهم”. قال: “اشهدوا أني قد عزلت عبيدالله”، فلما خرجوا كان فيهم من يروم الإمارة، ثم أتوا معاوية بعد ثلاث، وذكر كل واحد شخصاً، وتنازعوا فقال معاوية للأحنف:” ما تقول يا أبا بحر”؟ قال: “إن وليت أحداً من أهل بيتك لم تجد مثل عبيد الله بن زياد”. فقال :”قد أعدته واليا على العراق”، ثم خلا معاوية بعيد الله له: كيف ضيعت مثل هذا الرجل الذي عزلك وأعادك وهو ساكت؟ فندم عبيد الله على سوء ظنه في الأحنف وجعله صاحب سره وأول الداخلين عليه، ولما توفي يزيد بن معاوية ووقعت الفتنة في العراق، لم يف له إلا الأحنف، حيث كاد أن يقتل.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله

كاتب كويتي
Mshal.AlSaed@gmail.com