إيران… بعد خراب البصرة مختصر مفيد

0 25

أحمد الدواس

في التاريخ الأوروبي القديم أراد ملك يحكم منطقة تمتد مساحتها من هنغاريا والنمسا الى ألمانيا، ويعتنق المذهب الكاثوليكي، أن يفرض هذا المذهب على المناطق البروتستنتية في أوروبا، فبدأت شرارة الحرب الطائفية في القرن السابع عشر من العام 1618 وحتى 1648، وسٌميّت تلك الفترة” حرب الثلاثين عاماً”، تدمر خلالها وسط أوروبا، وعاشت أوروبا في تلك الحقبة من الزمن سنوات تمزقها حروب دينية وعرقية بسبب شرارة أشعلها نظام طائفي أحمق.
ثم أصاب الإنهاك الدول الأوروبية ولم تكن بينها دول منتصرة على الأخرى، وبعد ان مات ملايين الناس فيها شعر الأوروبيون بأخطائهم الفادحة، فقرر كل بلد عدم فرض عقيدته الدينية على البلد الآخر، ووضعت أوروبا قانوناً يجرم استخدام لغة الكراهية، وقوانين أخرى تمنع تفاخر المرء بمعتقداته الدينية على الملأ، أو يهيج مشاعر الآخرين، حتى لا ينزلق المجتمع نحو العنف الديني.
كثير من المحلليين السياسيين يلقون باللوم على إيران بأنها السبب الرئيسي في تدهور الوضع السياسي في المنطقة العربية، على نحو مشابه لما حدث في أوروبا في الفترة التاريخية المذكورة، وذلك بإشعالها النعرة الطائفية ولغة الكراهية بعد ثورتها في العام 1979، ما أدى الى تغيير ميزان القوى، ودفع دول المنطقة الى ان تتفاعل وتتخذ سياسات مضادة، ومن يقرأ السياسة الإيرانية يجدها بعيدة عن مفهوم التعايش السلمي، بل تتخذ سياسات عدائية.
كان المرشد الأعلى في إيران السيد علي خامنـئي يقول في أوائل يونيو سنة 2017 مقارنة بما يحدث في الدول العربية من قلاقل وفوضى:” إن الوضع في إيران مختلف، إيران قوية، إيران مستقرة”.
لكن يوم الأربعاء 7 يونيو 2017 بينما كان بعض الناس في طهران يزور ضريح قائد الثورة الإيرانية الخميني وإلى جانبه قبر رفسنجاني رئيس الدولة الأسبق، حدث هجوم انتحاري داخل الضريح قُتل خلاله ثمانية أشخاص على الأقل، وفي الوقت نفسه اقتحم مجهولون مبنى الشورى (البرلمان) وقتلوا سبعة أشخاص مع سقوط جرحى وحجز رهائن، فأصبح الإيرانيون يتساءلون: ماذا حدث، لماذا السلطات لم تمنع وقع الحادثين؟
ما جرى هجوم ضخم ولا شك على رمزين رئيسيين وهو “رسـالة قــويــة” ضد ما تمثله الثورة الإيرانية، وضغط هائل على الحكومة أو تحد لها.
بالأمس كتب الكاتب كريشناديف كالامور في صحيفة”أتلانتيك” الأميركية:” ان المشكلات الاقتصادية في ايران ليست مردها العقوبات الأميركية، إنما بإنفاق إيران الهائل على تدخلها بسورية واليمن، وتمويل “حزب الله” و”حماس” وباقي الجماعات المسلحة في الشرق الاوسط، هذه النشاطات مكلفة بالطبع، ولقد أنفقت ايران عشرات المليارات من الدولارات عليها، وهذا الانفاق الهائل هو من حرك الشارع الإيراني فانطلقت صيحات المواطنين ضد أداء الحكومة والمؤسسة الدينية وهم يقولون:”لا لغزة… لا للبنان، الموت لفلسطين، يسقط الديكتاتور، إن النظام جعل الأولوية للأجندة الثورية على حساب رفاهية الشعب الأمر الذي وضع ايران على طريق طويل من الفوضى والاضطراب” (انتهى الاقتباس).
إن إيران باستطاعتها الاستفادة من دروس التاريخ، كالدرس الدانماركي- السويدي، كما قلنا في وقت سابق، فتنهض اقتصاديا وصناعيا بدلاً من إتباع سياسة عدوانية مشابهة لسياسة بلدان أوروبا في العصور الوسطى، ثم أين مشاعر الإخوة الإسلامية؟
سفير ايران في الكويت السيد علي رضا عنايتي، تحدث للصحافة المحلية في الرابع من أغسطس الجاري، وأشار لمسألة الحوار الخليجي- الإيراني المقترح، وهذا امر جيد في العلاقات بين الدول.
ايران لم تمارس التفاوض السياسي، وأضاعت فرصاً كثيرة، فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على فكرة أو مبدأ” أنا أربح وأنت تخسر”، إنما يجب أن يؤخذ بالاعتبار مبدأ” أنا أربح وأنت تربح أيضاً”.
في التفاوض لا بد ان يضحي كل طرف ببعض مطالبه، ” أن تنتهي عملية التفاوض بحيث لايكون هناك غالب ومهزوم”، تفاوض من شأنه ان يقول طرف ما لقد تنازلت عن “أ” و”ب” و”ج”، لكن حصلت على “ص” و”ك” و”ع”.
عملية التنازلات هذه تؤلم جميع الأطراف بالطبع، لكن التفاوض يجب ان يقوم على قاعدة” إعط وخـذ”، فهل تعي إيران هذا المبدأ؟

You might also like