إيران … سراب الماضي البعيد

0 95

محمد عاكف جمال

تكتسب أزمة إيران المزمنة مع شعوب المنطقة ومع الأسرة الدولية منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن أبعادا أكثر خطورة، مع تزايد الصعوبات في إيجاد منافذ للتنفيس عن بعض حداتها، وهو ما لمسناه أخيرا، مع تعثر المبادرة الفرنسية لعقد لقاء قمة بين الرئيسين الأميركي والإيراني التي بذل الرئيس الفرنسي ماكرون الكثير من الجهد والوقت على هامش قمة الاقتصادات الرائدة السبعة التي عقدت في فرنسا موظفا فيها قدراته البراغماتية المتميزة، ووصولها لاحقا، رغم تكثيف جهوده على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى طريق مسدود.
ميدان الاحتكاك التقليدي مع إيران هو الخليج العربي، ومنفذه الوحيد إلى بقية أرجاء العالم مضيق هرمز الذي بدأت إيران تمارس في مياهه عمليات القرصنة على ناقلات النفط منذ أعادت الولايات المتحدة العقوبات عليها إثر خروجها من الاتفاقية النووية 5+1 التي أبرمت في 2015، إلا أن الصورة قد تغيرت بشكل دراماتيكي بعد تعرض منشآت نفطية تابعة لشركة أرامكو السعودية إلى هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة ألحقت أضرارا جسيمة بها، تشير أصابع الاتهام بقوة نحو طهران، حيث انتقلت الأزمة إلى مستوى جديد من الخطورة، وتضاعفت المخاوف حول مستقبل السلم والاستقرار في المنطقة.
الأزمة مع طهران في تصاعد مع استمرار واشنطن في ممارسة أقصى الضغوطات عليها ومع إصرار طهران على التحدي في المضي قدما بقرار التخفيف التدريجي من التزاماتها ببنود الاتفاقية النووية، والعودة لتخصيب اليورانيوم بأجهزة طرد مركزي متطورة لا تسمح بها الاتفاقية النووية لعام 2015، قرار تخاطر من خلاله طهران بخسارة غطاء أوروبا المتعاطف معها وتقريب مواقف دول هذه القارة إلى الموقف الأميركي، وبكلمات أخرى السقوط في فخ الحصارالأوسع، حيث تجد أوروبا نفسها مضطرة لإعادة فرض عقوباتها على طهران.
قبل توقيع اتفاقية 5 + 1 عام 2015 كانت الولايات المتحدة تلوح بأن جميع الخيارات لمواجهة البرنامج النووي الإيراني مطروحة، ومن ضمنها استخدام القوة، وتراجعت بشكل ملحوظ حدة لهجتها وحجم تواترالأزمة في تصريحات المسؤولين الأميركيين مع مجيء الرئيس باراك أوباما لسدة الحكم، إلا أن الموقف قد تغير الآن، إذ لم يعد البرنامج النووي وحده موضع قلق الأسرة الدولية، بل أضيف إلى ذلك قضيتان مهمتان، برنامج الصواريخ الباليستية وسياسة زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة التي تنتهجها إيران.
نجحت إيران في جعل مواجهتها عسكريا خيارا مستبعدا رغم التهديد باللجوء إليه في تصريحات بعض كبار المسؤولين الأميركيين لكلفة ذلك ماديا، وعدم شعبيته داخل الولايات المتحدة.
ففي عهود الرؤساء الثلاثة الذين تعاملوا مع الملف النووي الإيراني، بوش الابن وأوباما وترامب، لم تكن واشنطن تسعى لمواجهة عسكرية مع طهران إلا أنها من جانب آخر لم تستطع التهرب من مواجهة مسؤولياتها الدولية كقوة عظمى لها مصالح مباشرة وغير مباشرة في جميع بقاع العالم، لذلك حافظت على حالة الجهوزية التامة للمواجهة أيا كانت طبيعتها.
ولعل ما أعلنت عنه صحيفة “نيويورك تايمز” مؤخرا عن نجاح سلاح الجو الأميركي في مايو المنصرم في تدمير مؤسسة أنشئت محاكاة لمؤسسة “فوردو” لتخصيب اليورانيوم التي أنشأتها إيران على عمق ثمانين مترا في سلسلة جبال قرب مدينة قُم، له دلالاته في هذا الوقت.
إيران دولة متعطشة للتسلط والنفوذ، وقادرة في محيطها الإقليمي على زرع الخوف في بعض دوله، وتستطيع من خلاله ابتزازها تحقيق الكثير من أهدافها دون الدخول بمواجهات علنية معها، لا سيما حين تتشكك هذه الدول بجدية أصدقائها الكبار في الوقوف إلى جانبها.
إيلاء هذه المسألة ما تستحق من عناية لا يقل أهمية عن تأمين الملاحة في مضيق هرمز إذ ليست المضايقات الملاحية وحدها هي التي تقلق الدول المتشاطئة خليجيا مع إيران أو القريبة جغرافيا منها.
موقف الإدارة الأميركية من القرصنة في الخليج العربي تتجاوز أهمية الحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز إلى ما هو أبعد من ذلك وبخاصة فيما يتعلق برؤيتها لثوابت الأمن القومي للولايات المتحدة وهو تأمين الحضور القوي لأساطيلها في جميع المحيطات والبحار في العالم دون عوائق وهي لذلك ترسل سفنا حربية بين الحين والحين إلى بحر الصين الجنوبي وإلى مضيق تايوان.
إيران تسعى عبر ابتزاز أوروبا التي لا تزال ملتزمة بالاتفاقية النووية إلى التخفيف من صرامة ستراتيجية الضغط الأقصى التي تمارسها الولايات المتحدة وعدم جعل المواجهة المقبلة معها عسكريا في ساحات المعارك أو ديبلوماسيا على طاولة المفاوضات “مصيرية”، فالنخبة الحاكمة في طهران لا ترغب في التخلي عن سراب عالمها الإمبراطوري القديم، وهو مما يستبعد حصولها عليه إن كانت النوايا الأميركية حقيقية في المواجهة المعلنة.

أكاديمي عراقي مقيم في دبي

You might also like