إيران مريم رجوي؟

0

نزار جاف

في عدد من المقالات وخلال لقاءات صحافية، شبهت ما يجري في إيران منذ أواخر العام 2017، وحتى اليوم، بالعام الذي سبق انتصار الثورة الايرانية في 11 شباط 1979، لكنني أجد نفسي وبعد التمعن بعين ثاقبة في سلسلة الاحداث والتطورات التي جرت في إيران خلال الاشهر الاخيرة المنصرمة، إن هناك اختلافا، اختلاف كبير وشاخص بين الديكتاتورية الملكية التي جسدها محمد رضا بهلوي وبين الديكتاتورية الدينية التي جسدتها نظرية ولاية الفقيه الاستبدادية.
وهذا ليس مدحا في الاولى وقدحا في الثانية فكلامهما”في الهوى سوا”، ولكن الديكتاتورية الدينية الايرانية التي جاء بها الخميني، هي حالة غريبة وشاذة في التاريخ الاسلامي، قبل الانساني، لما حوته من تناقضات وتضادات، ولذلك فإنها، أي الديكتاتورية الدينية، كانت تمتلك الكثير من الخصائص والمقومات والمزايا التي إفتقدتها الديكتاتورية الملكية، وهذا ما يفسر سر صمودها وبقائها حتى اليوم، رغم إن أي نظام ديكتاتوري آخر لو كان محلها لغادرت بحيائها وحافظت على ما تبقى من كرامتها!
الديكتاتورية الدينية التي لم يمض الكثير من الوقت حتى انكشفت على حقيقتها، وعلم الشعب الايراني ما كانت قد أعلنت عنه منظمة “مجاهدي خلق” من إنه قد تم استبدال التاج بالعمامة، لكن لم يكن الشعب الايراني يعلم معنى عملية الاستبدال هذه.
لم يكن يعلم بأنه سيكون أمام مرحلة سيتم خلالها السطو على الدين الاسلامي، وعلى ثورة الامام الحسين، وعلى التاريخ الايراني الغابر والمعاصر، وسوف يتعرض لأكبر عملية استلاب وتشويه وتضليل غير مسبوقة، وإنني لا أجد بحق ما يمكن أن أصف به هذه الحالة بخاصة، والديكتاتورية الدينية الايرانية عموما، سوى ماقاله الشاعر:
“ياذئابا فتكت بالناس آلاف القرون
أتركيني أنا والدين فما أنت وديني
أمن الله قد إستحصلت صكا في شؤوني
وكتاب الله في الجامع يدعو:أين حقي”؟
أمام هذه الحالة الشاذة والغريبة والمعقدة، قادت،وتقود، زعيمة المعارضة الايرانية السيدة مريم رجوي المجلس الوطني للمقاومة الايرانية، وهي تخوض صراعا ضد ما يمكن وصفه بحالة هجينة مشوهة تركبت وتكونت من مساوئ وسلبيات معظم التجارب الدينية”الدخيلة”و”المتطفلة”على الاسلام.
أكثر مايلفت النظر هنا، ويحدث شررا من إثارة غير معهودة، هو إن هذا الهجين المشوه الذي سمي نظام ولاية الفقيه، قد تميز بعدائه وكراهيته الشديدة للمرأة بخاصة، وعندما تقوم امرأة بقيادة الصراع ضده، فإن لذلك أكثر من معنى ويحتاج الى البحث والتمحيص.
ماذا فعل غول ولاية الفقيه في إيران طوال 40 عاما من حكم قمعي إستبدادي فريد من نوعه؟
تلك هي القصة التي يمكن من خلالها معرفة وفهم طبيعة النضال، ونوع الصراع الضاري الذي خاضته مريم رجوي، كأكبر قائدة للمعارضة الايرانية، إذ في الوقت الذي كان فيه المعارضون الايرانيون يتسكعون في عواصم الدول، أو يتلاشون ويختفون من الساحة رويدا… رويدا لأسباب متباينة، فإن رجوي كانت واقفة بكل قوة وإباء في الساحة، وليس ترفض مغادرتها، بل كانت تسعى بكل ما في مقدورها من أجل إبقاء جذوة النضال والمقاومة والرفض والمعارضة ضد الديكتاتورية الدينية قائمة. وهنا ملاحظة بالغة الاهمية يجب أن نذكرها، وهي إن معظم المعارضين الايرانيين أبقوا ما يمكن وصفه بـ”شعرة معاوية”أو”خط رجعة”مع الديكتاتورية الدينية الحاكمة في طهران، بل تفاوض بعضهم أو استسلام أو حتى أعرب عن إستعداده للدفاع عنها، ولكن ظلت السيدة رجوي والمقاومة الايرانية ترفض كل أنواع الحوار والمساومة والتواصل مع النظام، ولذلك فإنها تعتبر موضع ثقة الشعب الايراني لهذا السبب المميز.
عندما كانت تتحدث مريم رجوي عن الثورة ضد هذه الديكتاتورية، وتدعو لها بثقة وإيمان من يرى الشعب وقد نتفض بوجه النظام، كان العالم ينظر لكلامها وكأنه غير واقعي، وعندما كانت تؤكد بإصرار ان الشعب الايراني يتفاعل ويتجاوب مع نشاطات المقاومة الايرانية، وبخاصة التجمع السنوي العام للمقاومة الايرانية، وتشدد على إن النظام الايراني يشعر بخوف شديد منه، كان هناك من يشكك بكلامها، ويعتقد ان كلامها مجرد دعاية حزبية، حتى جاءت إنتفاضة 28 ديسمبر 2017، وإعتراف المرشد الاعلى للنظام بدور منظمة “مجاهدي خلق” القيادي فيها، وما تبعتها وتتبعها من نشاطات احتجاجية، تتوالى تصريحات قادة النظام بإتهام المنظمة فيها.
علما ان هناك معاقل الانتفاضة التي وصلت في نشاطاتها الى حد التعرض لمقرات وأجهزة النظام، وعندما كانت مريم رجوي تدعو الى قطع العلاقات مع هذا النظام لكونه بؤرة ومركز التطرف والارهاب، وأن سفاراته أوكار لانطلاق الاعمال والنشاطات الارهابية، لم يكن هناك من يصدقها، لكننا اليوم نرى ما كانت قد قالته يتجسد حقيقة وأمرا واقعا.
هذا كله يثبت ويدل على ان رجوي كانت لها فراستها، وتنظر لبعيد، بكل ثقة وإيمان، وإنها متعمقة وذائبة في كل ما يتعلق ويرتبط بإيران، وإن ماتدعو إليه هو الحق وعين الصواب، بل إنها باتت تمثل الحالة المستقبلية لإيران الغد.
اليوم، ونحن نرى الاحداث والتطورات تمضي بوتائر متسارعة وغير مسبوقة في إيران، فإن آثار وبصمات السيدة مريم رجوي تبدو أكثر من واضحة، بل إنها تتوضح كلما تطورت الاحداث أكثر بحيث إننا نراها مصدقا لمقولة المؤرخ اليونانيبوليبيوس :”لا يرى القائد المحنك طريقه الى النصر فقط، انما يعلم متى يكون هذا النصر ممكنا”.

كاتب وصحافي عراقي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ستة عشر + ستة =