إيران هي الخاسر الأكبر في العراق

آكي بيرتيز

بعد كل جهودها الرامية الى تقويض مهمة الولايات المتحدة في العراق أصبح لدى ايران الآن دولة عنيفة وشبه فاشلة على حدودها تماما, وهي ستضطر إلى التعامل مع تداعياتها على حسابها.
السيناتور جون ماكين دعا كبار موظفي الأمن الوطني لدى الرئيس الاميركي باراك أوباما للتعامل مع الكارثة في العراق, فيما تزخر الصحف ومواقع الإنترنت بمقالات رأي فيها بعض الاختلاف في العناوين لكن تطرح السؤال نفسه “من خسر العراق”?
قد يناقش البعض ويعمد الى إلقاء اللوم على من “خسروا العراق” لكنني سأتحدث بشيء من السرية عن الخاسر الأكبر في وقت يبدو أن العراق يتجه الى النيران رغم معاناة شعبه الطويلة :الخاسر الأكبر الجمهورية الإسلامية في إيران.
نعم, لأن الستراتيجية الأمنية الإيرانية خلال العقد الماضي كانت تعتمد على إبقاء أميركا خارج التوازنات العراقية الداخلية حتى تتأكد من أن العراق لم يعد يشكل تهديدا أكثر من أي وقت مضى مثلما كانت خلال الحرب العراقية- الايرانية. وفي حين كانت الولايات المتحدة تعمل على المحافظة على وجودها في العراق محاولة ردع السكان المحليين عن قطع رقاب بعضهم بعضا, كان الإيرانيون ينشرون بهدوء شبكاتهم ووكلاءهم داخل البلاد على نطاق واسع, ما كان يخرب جهودنا عموما.
كان هذا الجهد الايراني, السري والعلني, لاستنزاف الولايات المتحدة في العراق يعرقل ويعقد مساعينا. خلال الاحتلال الأميركي, كانت إيران تمول جماعات شيعية عدة وكيلة لها مثل “جيش المهدي” و”عصائب أهل الحق”,و”كتائب حزب الله” التي كانت تقتل جنود القوات الأميركية وتقصف السفارة الأميركية, وأحيانا مرات عدة في اليوم. أغرقت طهران البلاد بقنابل دقيقة الصنع, وقنابل متفجرة خارقة للدروع قادرة على اختراق الدبابات الأميركية, ما تسبب في آلاف الضحايا الأميركيين والعراقيين في تلك العمليات.
علاوة على ذلك, قدمت طهران رشاوى للجنرالات والسياسيين لتقويض الجهود الأميركية والعراقية, وكانت “قوة القدس” من النخبة الايرانية المسلحة تعمل داخل العراق لسنوات, وحتى يمكن أن يكون لها يد في جريمة قتل شنيعة راح ضحيتها خمسة جنود أميركيين في العام .2007
إن الإبقاء على عدوها الأميركي في رمال الصراع العرقي والطائفي المتحركة أمر يناسب مصالح طهران تماما طالما أن الحرب لم تمتد عبر حدودها البالغة نحو 900 ميل. ولكن العلم الأميركي لم يعد يرفرف فوق قواعد عسكرية في العراق, ودافعو الضرائب الأميركيون لن ينفقوا مليارات الدولارات كل شهر بعد اليوم, لذا فإيران حاليا يجب أن تتعامل مع التداعيات المستمرة وحدها.
عندما تخلص العراق من حرب أهلية شاملة في 2008-,2011 لا بد أن طهران قالت لصديقها منذ فترة طويلة , رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أنها تريد حقا القضاء على تلك العشائر السنية في محافظة الأنبار المشبوهة بمجرد أن غادرها الأميركيون, علما أنه كان ينبغي دمجهم في الحكومة وقوات الأمن العراقية. مع كل أموال النفط المتدفقة في خزائن بغداد ومرور بضع سنوات من الاستقرار النسبي, كان بوسع المالكي وضع البنية التحتية في الأنبار, أيضا, من اجل الحفاظ على مصالح تلك القبائل وإشراكها. كانت هذه الستراتيجية العامة لصدام التي مكنته من الاحتفاظ بالسلطة لفترة طويلة.
كان على طهران أن تفعل ذلك ليس لأنها تحب العراقيين السنة بخاصة , وإنما لأن ذلك يصب في مصلحة الأمن القومي الإيراني بشكل حاسم للحفاظ على استقرار وازدهار جارتها.
رغم ذلك, سرعان ما أصبح العراق واحدا من كبار الشركاء التجاريين لإيران, وقد بلغت التجارة البينية 12 مليار دولار اميركي في عام .2013 وكان من المقرر أن تفتح طهران وبغداد أيضا خط أنابيب بطول 167 ميلا من شأنه تزويد العراق بين ثلاثة الى اربعة ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعي يوميا, ما يكسب إيران نحو 3.7 مليار دولار سنويا.
من ناحية أخرى, فإن الإخلال بوضع نسبة كبيرة من السكان مثل السنة وتنفيرهم وصفة لكارثة. يدرك الإيرانيون هذا بشكل غريزي كمواطنين في بلد متعدد الأعراق فيه نحو 60 في المئة من العرق الفارسي.
لكن إما ان ايران لم تقدم هذه النصيحة, أو أن المالكي لم يأخذ بها. بدلا من ذلك, قرر أن يحمل العصا ضد الجماعات السنية, مثل مجالس “صحوة الأنبار” التي طردت تنظيم القاعدة من العراق في العام .2007 وأصدر مذكرة اعتقال ضد نائب الرئيس العراقي السني طارق الهاشمي, بتهم تتعلق بالإرهاب في عام .2011 وتجاهل الفساد المستشري في البلاد.
وهكذا عادت إلى الظهور التوترات المتأججة منذ فترة طويلة. وقد أعطى هذا فرصة لالتقاط الانفاس بالنسبة الى تنظيم القاعدة في العراق ولدولة العراق والشام الإسلامية (داعش) التي فقدت مؤسسها, أبو مصعب الزرقاوي, في العام 2006 بغارة جوية أميركية, ومن ثم خلفائه أبو عمر البغدادي و أبو أيوب المصري في العام .2010
ضمن خلفية سياسية أكبر, نجا “داعش” ونما الى ما هو عليه اليوم من خطر محدق.
اليوم, تفعل إيران أفضل ما بوسعها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. “قوة القدس” تقاتل “داعش” على أرض الواقع , ويفترض أن تسارع طهران الى تقديم كل أنواع المساعدة للحكومة العراقية المحاصرة. ويقال إن قائد “فيلق القدس” العميد قاسم سليماني في بغداد منذ فترة طويلة, ما يدل على شدة الأزمة. وكذلك, قال الرئيس الايراني حسن روحاني إن ايران سوف “تحارب وتكافح” الإرهاب وذلك امام المجلس الأعلى للأمن القومي لبلاده الذي عقد في 12 يونيو الجاري جلسة طارئة لمناقشة المأزق في العراق.
إيران ملزمة اليوم بخوض حرب على جبهتين ضد مجموعات سنية في سورية, وأخرى في العراق. وبالنظر إلى العقوبات الدولية بسبب برنامج الأسلحة النووية التي سحقت اقتصادها, ليس لدى طهران أموال لا حصر لها ما يفترض أن تتجنب مغامرات خارجية.
وبطبيعة الحال, فإن إيران على استعداد لتحمل المشقة لتأمين ما تعتبره مصالح أمنها القومي (مثلا, برنامج الأسلحة النووية), لكن الانفتاح على جهود جديدة ضد السنة على الأرض في العراق لا بد أن يسبب الكثير من الالم والحرقة في ايران.
إذا استمرت الأحداث واتجهت جنوبا بشكل كبير, قد يضطر الحرس الثوري للاختيار بين أولويات أمن وتنافس مقنعة. كما انه لا يزال من المبكر جدا القول, ان كل شحنة مساعدات إلى بغداد قد تعني شحنة أقل إلى دمشق.
ماذا عن بعد غد? حتى لو تم دحر “داعش” بدرجة كبيرة في الأسابيع القليلة المقبلة, فإن المشكلات المنهجية التي وضعت العراق في هذه الفوضى الحالية لا تزال قائمة. الجيش العراقي لا يزال غير قادر على القيادة الفعالة. والبرلمان لا يزال غير قادر على الحكم رغم شدة الأزمة, فهو لم يتمكن من تمرير إعلان حالة الطوارئ بعد سقوط الموصل. السنة سيبقون متضررين. والفساد لا يزال يأخذ حصيلة أعمالهم. وسوف يجد “داعش” اليوم أهدافا إيرانية جديدة لكي يضربها.
البطانة الفضية لخطر “داعش” في المجتمع العراقي أن الامر قد يؤدي في الواقع الى تقارب بين إيران والولايات المتحدة على الأقل في هذه المعركة. من يدري, فسرعان ما قد يجد القادة الأميركيون انفسهم يعملون مع الأشخاص انفسهم الذين كانوا يقتلون ويشوهون جنود القوات الأميركية منذ بضع سنوات فقط.
على سبيل المثال, إذا قاتلت قوات النخبة الإيرانية “داعش” على أرض الواقع, وقررت الولايات المتحدة توفير القوة الجوية لضرب “داعش”, ما من شأنه أن يجعل الهجوم المضاد أكثر فعالية إذا تم التنسيق بين جهود القوتين. قلة من كانوا يتصورون سيناريو تقديم القوات الإيرانية معلومات استخبارية إلى القادة العسكريين الأميركيين للقضاء على المسلحين الجهاديين القتلة, والعكس بالعكس. ولكن الحرب تفرض في بعض الأحيان شراكات غريبة.
مع ذلك, يمكن لإيران فقط حتى الآن أن تهدئ الاوضاع في العراق من خلال القوات الخاصة, ويسيطر الحرس الثوري ووكلاؤه من الشيعة على المناطق ذات الأغلبية السنية, لكن محاولات فرض السيطرة على مناطق هذه الجماعات سوف يسبب في نهاية المطاف ردة فعل كبيرة بين السكان. لذلك سيتعين على إيران الانسحاب في نهاية المطاف وترك فراغ في السلطة مرة أخرى في تلك المناطق.
إن العديد من القادة الاجتماعيين والاقتصاديين والطائفيين الذين دفعوا العراق الى هذه المرحلة المروعة سوف يبقون في أماكنهم على نطاق أوسع بعد توقف إطلاق النار في دولة شبه فاشلة فيها الآلاف من المقاتلين المخضرمين ممن هم ضد الشيعة على حدودها الغربية ما سيبقى على المدى الطويل كابوسا لأمن طهران القومي.
ولكن يجب ألا تشمت أميركا بمصائب إيران العميقة جدا. ففي النهاية , مجرد أن إيران هي الخاسر الأكبر في أزمة العراق الحالية لا يعني أن أميركا هي الفائز في هذه المعركة.

محلل سابق في وكالة المخابرات المركزية وله مؤلفات في مكافحة الإرهاب, والمقالة نشرت في “ديلي بيست”

Print Friendly