إيران… وسياسة الأطماع الثابتة في الخليج العربي

حمد أحمد عبدالعزيز العامر

تمر العلاقات الخليجية – الإيرانية منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979, ونشوب الحرب العراقية الإيرانية عام 1980, بمرحلة من الفتور والحذر الشديدين, نتيجة إطلاق الخميني (المرشد الأعلى للثورة) لمبدأ تصديرها إلى المناطق المجاورة لإعادة الأمجاد الإيرانية وبَسط السيطرة على الخليج العربي والشرق الأوسط, وما تبع ذلك من تحركات لتحقيق هذا المبدأ, كقيام إيران بتدريب ودعم خلايا موالية لها في دول “مجلس التعاون” لزعزعة أمنها واستقرارها, ودعم المحاولات الانقلابية في مملكة البحرين خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي وإبان أحداث عام 2011. تحت غطاء الربيع العربي المشؤوم, وزعزعة أمن المملكة العربية السعودية خلال مواسم الحج كما حدث عام 1987 حين اقدمت مجموعة من الإيرانيين على تنظيم مظاهرات, ورفعت شعارات الثورة الإيرانية وقطعت الطرقات ما تسبَّب في قتل عدد من الحجاج والمواطنين ورجال الأمن, وإثارة النعرات الطائفية في المدن والقرى السعودية ذات الأغلبية الشيعية, ومحاولة اغتيال المغفور له الشيخ جابر الأحمد الصباح, أمير دولة الكويت عام 1985, وضرب ناقلات النفط في مياه الخليج أثناء الحرب العراقية – الإيرانية, والاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث الذي لا أجد له شبيهاً سوى الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين منذ أكثر من ستين عاماً, وأخيراً التوقيع على الاتفاق النووي المثير للجدل مع مجموعة 5+1 في 14 يوليو الجاري والذي عزَّز هذه الأطماع.
رغم حرص دول “مجلس التعاون” المستمر على إقامة علاقات طبيعية مع إيران تقوم على أُسس حُسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية; تظل إيران تعمل في الاتجاه المعاكس لذلك, بالعمل على تأجيج الطائفية في دول المجلس, وفتح معسكرات تدريب على الأراضي الإيرانية مخصصة لتدريب عناصر من المواطنين الخليجيين على أعمال العنف والإرهاب وتمويلها لإسقاط الأنظمة الخليجية تحت شعارات “حماية حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير”, والعمل على شق الصف الخليجي من خلال إقامة علاقات متميزة مع بعض دول المجلس دون غيرها.
إلا أن الحقيقة المؤلمة يترجمها الواقع على الأرض والممارسات والتصريحات الهادفة لتنفيذ الستراتيجية الإيرانية في الهيمنة على المنطقة والسيطرة التامة على قرارها السياسي وتحقيق الأطماع الخبيثة التي تقف وراء كل تلك التحركات, وتتجلَّى هذه الأطماع في العديد من التصريحات المستفزة لرجال الدين والمسؤولين الإيرانيين على مدى سنوات طويلة, والتدخل الايراني في الشؤون الداخلية لدول “مجلس التعاون” الذي يتم بصور متعددة وبوجوه مختلفة تتلوَّن حسب الظروف والأحداث التي تمر بالمنطقة, وهنا تكمن خطورتها, كتلك التصريحات التي أدلى بها السيد علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى الإيراني لقناة “المنار” التابعة ل¯”حزب الله” اللبناني في أغسطس 2012 حين قال: “إذا سقطت سورية اليوم يعني سقوط الكويت غداً وافهموها كما شئتم”…., لدينا في الكويت عمق ستراتيجي وشعبي مهم ولن نتنازل عنه, ونصف الشعب الكويتي موالٍ لولاية الفقيه العظمى, (…) وعلى دول الخليج “الفارسي” ألاَّ تعرقل طموحات إيران العظمى وإلا سيضطر العرب حينها إلى الانحسار حول مكة كما كانوا قبل 1500 سنة”.
وخلال الأزمة الأخيرة التي مرَّت بها البحرين كان التدخل الإيراني واضحاً وسافراً ووقحاً لتأزيم الأوضاع من خلال الدعم السياسي منذ اليوم الأول للاحتجاجات, إلى جانب التشوية الإعلامي المتعمَّد في القنوات الإعلامية الإيرانية والقنوات الأخرى التابعة لها في العراق ولبنان, وتقديمها مذكرات وشكاوى إلى المنظمات الإقليمية والدولية, ومحاولة الزج بموضوع البحرين في المؤتمرات والاجتماعات الاقليمية والدولية والمفاوضات النووية مع دول 5+1, والإدلاء بالتصريحات اليومية, الرسمية وغير الرسمية, للمتحدثة الرسمية باسم الخارجية الإيرانية أو أعضاء مجلس النواب ورؤساء تحرير الصحف وغيرهم.
كما اتخذت إيران من تواجد قوة درع الجزيرة في البحرين موقفاً معادياً, وصوَّرت هذا التواجد وكأنه احتلال سعودي للبحرين, وشبَّهته باحتلال صدام حسين للكويت, وشنَّت حملة إعلامية وديبلوماسية دولية تصوره كاحتلال هدفه ضرب الشعب البحريني واخماد ثورته ومطالبه السلمية للوصول إلى الديمقراطية والتعددية وحرية التعبير والرأي, واستمرت في البحث عن الدعم الإقليمي والدولي والجماهيري ضد دول “مجلس التعاون” بتأجيج الطائفية وتحريك عملائها وأتباعها في العراق من رؤوساء الأحزاب أو النواب الموالين لها, كأحمد الجلبي ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي, لإبراز أن دولتين خليجيتين هما العراق وإيران لا ترضيان بدخول قوة درع الجزيرة إلى البحرين, هذه الشعارات التي ينطبق عليها المثل “من كان بيته من زجاج لا يرشق الناس بالحجارة”, نظراً لما يعانيه الشعب الإيراني من قهر واستبداد وانتهاك لأبسط حقوق الإنسان.
كما شكلت إيران لجاناً شعبية ودولية في العراق والدول الأوروبية -وخاصة الإسكندنافيةمن جاليات مهاجرة من إيران والعراق ولبنان وسورية- للتظاهر أمام البرلمانات الأوروبية والسفارات الخليجية في هذه العواصم وتنظيم الورش والندوات وإقامة معسكرات التدريب لنصرة مطالب الشعب البحريني, وحرَّكت “حزب الله” اللبناني ليأخذ دوراً محورياً في تصعيد الموقف الداخلي في البحرين والسعودية بخطب حسن نصر الله النارية.

وآخر تلك التدخلات وليس أخيرها, ما تضمنه خطاب “آية الله خامنئي” الذي يُعد أعلى سلطة في الجمهورية الإيرانية خلال عيد الفطر المبارك في (18 يوليو الجاري) اذ قال نصَّاً: “إن الكثير من الشعوب المسلمة والمؤمنة في اليمن والبحرين وفلسطين سورية بات يقضي أياماً مريرة و عصيبة بسبب أعمال الأعداء الإجرامية, و كل هذه القضايا تهم أبناء شعبنا…, إننا لن نتخلى عن دعم أصدقائنا في المنطقة, و سنواصل دعمنا المستمر للشعب الفلسطيني المظلوم, والشعب اليمني المظلوم, والشعب والحكومة السورية, والشعب والحكومة العراقية, والشعب البحريني المظلوم, والمجاهدين المقاومين الصادقين في لبنان وفلسطين; هؤلاء سيبقون دومًا مورد حمايتنا و دفاعنا عنهم”.
فهل ننتظر المزيد من هذه التدخلات والتهديدات الخطيرة والصريحة جداً, والتي لا أعتقد أن أي مسؤول خليجي قام بالرد عليها أو أي دولة من دول المجلس أصدرت بيان احتجاج ضده أو قام “مجلس التعاون” بالرياض بمخاطبة الأمم المتحدة بنيويورك ليتسجل على أقل تقدير موقفاً للتاريخ بسبب هذه التهديدات التي تجاوزت حدود اللياقة غير المقبولة, جملةً وتفصيلاً, ولا يمكن أن تصدر إلا من دولة فاشلة.
والسؤال المطروح الآن: إلى متى ستستمر دول “مجلس التعاون” في سياسة المهادنة والحرص على إقامة علاقات صداقة مع إيران التي لم تتغير سياساتها ولا أطماعها منذ قيام الثورة الخمينية عام 1979?
إجابة هذا السؤال المهم ستكون محور مقالتي المقبلة التي سأتناول فيها رؤيتي في كيفية التعامل الخليجي مع العلاقات المتوترة مع إيران, والتي تستلزم من دول “مجلس التعاون” أن تكون أكثر تشدداً بعد أن بلغ السيل الزبى وتجاوز الحدود.

محلل سياسي للشؤون الاقليمية و”مجلس التعاون”