إيـران والدرس الياباني مختصر مفيد

0 15

أحمد الدواس

ثمة قصة تاريخية مُضحكة مُبكية ، فقد كانت اليابان تسيطر على جنوب شرق آسيا خلال الحرب العالمية الثانية، أي قبل سبعين سنة، طمعاً في النفط والمطاط، فاحتلت أجزاء كبيرة من الصين وكوريا واندونيسيا والفلبين والهند الصينية وبورما، ثم أمر الرئيس الأميركي فرنكلين روزفلت الأسطول البحري في المحيط الهادي بالتوجه الى هاواي حتى لا يتوسع اليابانيون في احتلال الشرق الأقصى.
هنا أخذ القائد العسكري الياباني يفكر فأخطأ في حساباته عندما ظن ان ضربة استباقية لهذا الأسطول في ميناء هاواي سوف تشل القدرة العسكرية الأميركية على التحرك، فتنتهز اليابان هذه الفرصة وتحتل ماليزيا وغيرها من المستعمرات الآسيوية.
من هذه الوقائع التاريخية نلاحظ ان القوة العسكرية اليابانية كانت كبيرة جداً،وتفوق القوة العسكرية الإيرانية بأضعافٍ، استطاعت احتلال الصين ودول جنوب آسيا، ومع ذلك فقد ردت القوات الأميركية الصاع صاعين بإسقاط قنبلتين نوويتين على اليابان، ألحقت بها أضراراً هائلة، فاستسلمت اليابان لأسباب، منها أنها ان لم تفعل ذلك سوف يتم تدمير قواتها المسلحة، وحتى يتجنب الشعب الياباني مزيداً من الآلام والمعاناة، والخوف على مصير الإمبراطور الياباني، لان السوفيات الشيوعيين غزوا منشوريا، واقتربوا من اليابان، مع ضعف الروح المعنوية لليابانيين.
استسلم إمبراطور اليابان على الفور موقعاً اتفاق سلام مع الأميركيين بقيادة الجنـرال مـاك آرثر، وتركت القوات الأميركية الإمبراطور الياباني وشــأنه، فانشغلت اليابان بأمورها الداخلية، من اقتصاد وتعليم، وأصبحت قوة اقتصادية عالمية، وقد عاد هذا بالفائدة عليها وعلى النظام الدولي.
السياسيون الإيرانيون يطلقون التصريحات الجوفاء كلما تعرض بلدهم لضغوط، خارجية أو داخلية، أي يستخدمون هذا النوع من الخطاب لصرف انتباه الشعب الإيراني عن معاناته المعيشية في الداخل، لكي يصطف حول قيادته، ففي سبتمبر العام 2012 بدأت أميركا وبعض دول الخليج، كالسعودية والإمارات، عمليات نزع الألغام البحرية التي زرعتها ايران في الخليج، ما جعل ايران تعيش حالة من القلق والتوتر السياسي، فأخذت ترغي وتزبد وتُهدد بإغلاق مضيق هرمز، كمن يريد ان يقول:” إني مازلت قوياً وأنا لا أخشى هذه الأساطيل مجتمعة وباستطاعتي إلحاق الضرر بكم وبدول الخليج”.
يبدو ان ايران لم تستفد من الدرس الياباني، ولا عرفت مبدأ كارتر الذي أعلنه الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر في العام 1980، بعد أن احتل الاتحاد السوفياتي لأفغانستان، موجهاً تحذيراً شديد اللهجة، غير مباشر للسوفيات، قال فيه:” إن أي محاولة من جانب قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج سوف تٌعتبر اعتداء على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأميركية، وإن هذا الاعتداء سوف يٌقاوم بأي وسيلة ضرورية بما فيها القوة العسكرية”.
ايران أضاعت فرصاً كثيرة، فقد مارست سياسات عدائية، فهي تزرع عملاء لها في الخارج، لاسيما في السفارات والمكاتب التجارية الإيرانية، وشركات الطيران والبنوك وشركات الملاحة، وأنشأت جهازاً خاصاً للتخريب والاغتيال ضد مصالح بعض الدول يٌسمى الوحدة 400، وتعلن انها قادرة على قلب أنظمة دول الخليج، وتدخلت في الأوضاع الداخلية لأربع بلدان عربية، وهو سلوك مرفوض عالمياً وضد القوانين الدولية، ما أدى الى تدمير ثلاث دول عربية، ومات كثير، أو فقدوا ممتلكاتهم، فطال أمد الصراع، ولاتفكر بالتفاوض السياسي، كأنها تريد تمثيل دور الفارس المغوار، وترى انها الصواب والآخرين على خطأ، وإذا كانت تتدخل بشأن اليمن وكينيا البعيدة بأكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر، فلاشك أنها تتدخل بشؤون الدول الخليجية.
كان باستطاعة إيران لو أحسنت التصرف، سياسياً واقتصادياً، ان تجعل المنطقة العربية أسواقـا لتصريف صناعاتها، فالقوة اليوم ليست القوة العسكرية، وإنما قوة الاقتصاد، وأن تستفيد من الدرس الأميركي الياباني، وكذلك من درس الدنمارك والسويد، فالدنمارك دخلت في حروب كثيرة مع السويد في قديم الزمن، ثم تبين للدنمارك فداحة الخسائر المادية والبشرية، وأن أسلوبها العسكري والسياسي كان خطأ، وان الأفضل لها ان تتصالح مع السويد، وبالفعل فقد تغير البلدان الى الأفضل، لكن ايران دولة متخلفة تهمل المواطن في سبيل التسلح، وبدلاً من ان تكون “سنغافورة الخليج ” نجدها تعيش الغرور السياسي، وزمن القرون الوسطى والمغامرات في بلاد الآخرين، فمتى تصغي لصوت العقـل؟

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.