إيمان يحيى: رواياتي… وصية أكتبها بالمشرط للأجيال القادمة يرى "أن الجوائز لها دور كبير في الترويج للأعمال الأدبية وجذب انتباه القراء إليها"

0 123

كتابات الشباب مندفعة وجريئة وتفتقد الخبرة والحنكة… ويوسف إدريس لا يزال الأكثر تأثيراً في جيلنا

القاهرة – رحاب أبو القاسم:

كتب روايته الأولى “الكتابة بالمشرط”، في الستين من عمره، بعدها بخمس سنوات كتب “الزوجة المكسيكية”، كرسالة حب للكاتب الأديب يوسف إدريس الذي عشقه بصورة جعلته يقرأ كل ماكتبه، ويبحث عن كل ما يتعلق به، كما ترجم كتابه”خفايا الإبداع”.
يمزج في رواياته الواقع بالخيال، يطرح من خلال سطورها أسئلة عميقة عن الفن،الثورة، الحرية، علاقة الفنان بالواقع، بالسياسة، بالأفكار التي يدافع عنها.
عن عالمه الروائي، ووصول روايته الى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” 2019، أجرت “السياسة” مع الروائي والطبيب إيمان يحيى هذا الحوار:

كيف كانت بدايتك مع الكتابة؟
جاءت هذه البداية في عالم الرواية متأخرًة، لأنني كنت قبل هذه السن المتأخرة نسبيًا، منشغلًا بهموم كثيرة، فالى جانب المهنة، كنت مهتمًا بالسياسة المباشرة واليومية، انشغلت بالتاريخ ودراساته، بالسينما، بكتابة العديد من المقالات والدراسات، صدرت الرواية الاولى لي وانا في التاسعة والخمسين من العمر، نتيجة معركة خضتها وشهدتها عن قرب.
هل أحداثها حقيقية؟
نعم، هي قصة حقيقية، تتحدث عن الفترة بين 2011 وما بعد 2013، حول طبيبة في مستشفى جامعي تتعرض للاضطهاد لاختيارها تخصص جراحة خاصة بالذكور، بسبب تقاليد وعادات المجتمع، تقابلها مواقف وصعوبات بسبب هذه التقاليد.
لماذا اسميتها “الكتابة بالمشرط”؟
لأنها تحكي قصة اضطهاد الشباب والمرأة في مجال الطب والجامعة في فترة تاريخية حرجة من تاريخ مصر، عقب أحداث 2011، أثناء وبعد يونيو 2013، كانت بمثابة طوق نجاة لي، أنقذتني من الاكتئاب، كما كانت صرخة في وجه مجتمع يظن أنه انتصر على التخلف والرجعية في يونيو، بينما هو مخترق حتى النخاع.
ما أحداث روايتك “الزوجة المكسيكية”؟
تدور حول بطل الرواية يحيى الذي يتقابل مع المكسيكية في مؤتمر أنصار السلام في فيينا، يحيى هو في الوقت نفسه بطل رواية “البيضاء” للأديب يوسف إدريس، اذ تبدأ الرواية برحلة بطل من أبطالها، والبحث عن هذه الزيجة، قصة الحب الأول يحيى الذي هو نفسه يوسف إدريس في هذا العصر، وفي النهاية يصل لنتائج معينة، لماذا حدثت وفي أي ظروف، ولماذا انتهت هذه القصة التي تفتح شباكا على مصر في ذلك الوقت، في الوقت نفسه توجد قصة بين الأستاذ وطالبة أميركية تعمل على رسالة ماجستير عن الرواية، تكون بمثابة مرآة للقصة الحقيقية.

الزوجة المكسيكية
لماذا اخترت”الزوجة المكسيكية”؟
البداية كانت مع جملة كتبتها المستشرقة الروسية فاليريا كيربتشينكو عن رواية “البيضاء” التي قال لها يوسف إدريس إنها من وحي قصة حب وزواج فيما بعد، فواتتني الفكرة، عملت عليها، لأن الرواية ليست مقتصرة على إدريس، لكنها تحكي عن مصر والعالم في ذلك الوقت.
هل أبطالها متشابهون مع ابطال “البيضاء”؟
أبطال روايتي على النقيض تماما، ولا يتشابهون مع شخصيات”البيضاء”.
كم استغرقت من الوقت في كتابتها؟
سبع سنوات، بحثت وراء الحكاية والفترة في مصر والعالم، كتبت الرواية في ثلاثة أعوام، كانت أمامي حقائق توصلت إليها وفجوات يجب أن يتم ملؤها بالخيال.
هل واجهتك صعوبات أثناء الكتابة؟
عملية البحث والتوثيق، كانت من أهم الصعوبات أثناء التجهيز للرواية، كان يهمني البحث عن حقيقة قصة الحب والزواج، أرهقتني كثيرًا في الوصول إليها، بحثت عنها بلغات أجنبية متعددة، الفرنسية، الإنكليزية، الإسبانية، حتى أستطيع تقمص شخصيتها ونقلها على الورق، مع الفصل الأخير في الرواية بكيت بشدة لانفعالي بها ومعها، كانت الصعوبة الأخرى في اختيار القالب السردي المناسب، والحبكة الدرامية.
هل استعنت بمراجع؟
احتجت إلى تجهيزات عديدة، بحثت في كتب متعددة، قرأت آلاف الصفحات بمختلف اللغات، في الفترة ما بين 1952 و1954، استعنت بأرشيفات صحافية، لوحات فنية، لقاءات خاصة، مراسلات عبر القارات، ملفات قضايا سياسية، وتحريات للمباحث العامة، كل كتب المذكرات الخاصة بتلك الفترة وأجوائها في مصر أو المكسيك، مثل مذكرات بول روبسون وملفات محاكمته في الكونغرس، كذلك المواد الخاصة بمصر وتدقيقها.
هل استعنت بالانترنت كوسيلة سهلة؟
بحثت كثيراً في مواقع الانترنت، لم أجد أي معلومة بهذا الشأن، انتقلت إلى مصادر أخرى، ظللت أبحث فيها حتى عثرت على مقال كتبه صلاح حافظ ضمن ملف خاص أعدته مجلة “الهلال” عن إدريس بعد شهر من وفاته، ذكر فيه واقعة زواجه من روث، ودوره مع الفنان حسن فؤاد في تهيئة منزل الزوجية لاستقبالهما، من ثم بدأت أمسك بخيط القصة، أتأكد من مصداقيتها، كما أفادني تتبع عائلة ريفيرا وأبناء روث نفسها التي تزوجت مرة أخرى بعد طلاقها من يوسف إدريس.
كيف؟
اتصلت بابنها الذي أكّد لي الزواج، أرسل لي صورتها في القاهرة، وصلت إلى مرحلة اليقين من هذا الأمر، بالطبع سألت كثيرين من أصدقاء يوسف، لم تكن لديهم فكرة عن هذه الزيجة.

يوسف إدريس
لماذا اخترت الكتابة عن الأديب يوسف إدريس؟
لأنه يعد من أبرز الكُتاب في شباب جيلي، أحببناه وعشقناه، قرأت أعماله أكثر من مرة، كل ما كُتب عنه، اختياري “البيضاء”، لأنها من أهم الروايات في الأدب العربي، فيها صراع داخلي، تعرضت لهجوم كبير عند صدورها، بسبب المناخ السياسي المنتشر في ذلك الوقت.
هل تواصلت مع عائلته؟
لا، ولا أعرف ردود فعلهم حتى اليوم.
هل توجد أعمال مقبلة عنه؟
كتبت عنه هذه الرواية، كما ترجمت كتابا عنه، أعتقد أن هذا يكفي إلى حد كبير.
لماذا هذه الحقبة التاريخية دون غيرها؟
إنها نقطة فاصلة في تاريخ العالم ومصر، حدثت فيها صراعات حول الديمقراطية والاستبداد، نذكر في تلك الأيام كان يوجد تفاؤل كبير في مستقبل البشرية ومستقبل الثقافة العالمية.
ماذا عن لغة الرواية؟
فيها أزمنة، أماكن متعددة، الانتقال بينها تطلب استخدام تقنيات سردية، استعرتها من عالم السينما والمونتاج، الفانتازيا أيضا كان لها دور كبير في السرد، كما استخدمت حيلًا كثيرة حتى لا يشعر القارئ بأدنى قدر من الملل.
كيف وصلت إلى القائمة الطويلة لـ”بوكر” العربية؟
الترشيح للجائزة يساهم بشكل كبير في ترويج قراءة الكتاب في الأساس، الرواية تتعرض لفترة مهمة في تاريخ مصر من عام 1952 إلى عام 1956، تفتح نافذة على العالم في هذه الفترة، تتعرض لأحداث سياسية واجتماعية في مصر، والانتقال من نظام شبه ليبرالي إلى نظام شمولي.
هل هناك مواصفات معينة للأعمال التي تصل لهذه الجائزة؟
أن يتصور بعض الكتاب أنهم محتاجون لتأليف روايات بمواصفات معينة تسمى”مواصفات الجوائز”، يعد تصورا خاطئا تماما، مثله مثل الكتابة بمواصفات ترضي القارئ الأوروبي، الذي يبحث عن الشرق العربي وفق تصورات استشراقية وغرائبية.
ماذا تعني الجوائز بالنسبة لك؟
لها دور كبير في ترويج الرواية وجذب انتباه القراء إليها، الفوز أو عدم الفوز بالجوائز يعتمد بالأساس على الذائقة الفنية للجان التحكيم، لا شك أن دخول مسابقات الجوائز لمجال الرواية العربية مفيد.

الطبيب و الروائي
ما العلاقة بين الطبيب والروائي والكاتب؟
لا يمكن فصل شخصية الطبيب عن شخصية الروائي بالنسبة لي، تأثير المهنة واضح، أكثر المهن اندماجًا في المجتمع هما الطب والمحاماة، أمام الطبيب والمحامي يتعرى الإنسان حتى ينجو، مهنتي الدقيقة في مجال الجراحة، تتطلب دقة الملاحظة والعناية بالتفاصيل، لا شك أن هذا له علاقة بأسلوبي وتناولي في الرواية.
ما أهمية الكتابة بالنسبة لك؟
أحد الأنشطة التي تتم ممارستها للتأثير في المجتمع، ميزتها الأولى أنها تعيش، الإنجازات التي يقوم بها الإنسان في حياته قد ينساها البعض، تندثر، تنسى، أما الكتابة فتدوم، سيأتي شخص ما، في يوم ما، يقرأ ما كتبت، يلتفت إليه، يتحدث عنه، إنه سحر الكتابة وغوايتها.
ما نوع الكتب التى تستهويك؟
قراءة التاريخ، تاريخ مصر أو العالم، بأنواعه ومجالاته المختلفة، تاريخ اجتماعي، سياسي، ثقافي، يمكن القول أن تاريخ مصر يكرر نفسه مع مرور الأزمنة.
من مثلك الأعلى في الكتابة؟
حكاية المثل الأعلى يمكن أن تستهوي مراهقًا في سن صغيرة، أنا معجب بروائيين وأدباء كثيرين، يوسف إدريس بالنسبة لجيلنا وأجيال سابقة كان مؤثرًا للغاية، قدرته الفنية العالية، إثارته لقضايا إنسانية واجتماعية جعلت من إبداعاته بؤرة اهتمام المصريين والعرب، أيضًا نجيب محفوظ، فتحي غانم، الطيب صالح، حنا مينا، الطاهر وطار، كل هؤلاء ساهموا في تربية ذائقتنا الأدبية.
ما الفرق بين من يكتب فى الـ 20 عاما ومن يكتب في سن الخمسين؟
كتابة الشباب مندفعة وجريئة، لكنها قد تفتقد الحنكة والخبرة، وجدت نفسي محتاجًا لأن أحكي، شاهدت الكثير من التجارب الحياتية، وصلت إلى قناعات متأثرة بمشاهداتي وتأويلاتي، بدأت أروي وكأن الرواية وصية أقولها للأجيال القادمة.
ما أعمالك المقبلة؟
أعمل حاليًا على رواية جديدة، منشغل بكتابتها إلى حد كبير، سيتم الإفصاح عنها عقب انتهائي منها.

You might also like