إيناس الشافعي: ليت المصريين تعلموا لغة أجدادهم القدماء روايتها الجديدة "كعبر" تكشف الكثير من الحقائق التاريخية عن الفراعنة

0 354

القاهرة محسن حسن:

تعد واحدة من شخصيات مصرية قليلة مهتمة ببعث ” علم المصريات ” من سباته وسكونه، لذا فهي جادة في تدشين واقع معلوماتي جديد حول المصريين القدماء، من خلال كتاباتها ورواياتها الأدبية، حضورها الدائم في المحافل المحلية والاقليمية والدولية. ومنذ التحقت بالجامعة العام 1988 وحتى تخرجها العام 1991، تتلمذت على أيدي أفذاذ التاريخ واللغة الهيروغليفية أمثال الدكتور عبد العزيز صالح، الراحل الدكتور عبد الحليم نور الدين.
أجرت “السياسة” مع الباحثة المصرية الدكتورة ايناس الشافعي، هذا الحوار الذي تكشف فيه كثيرا من أسرار المصريين القدماء.
ما تقيّيمك لموقف المصريين من علم المصريات؟
من الغريب حقاً أن العالم كله يدرس علوم المصريات في الجامعات والمدارس تحت مسمى Egyptology، ونحن مازلنا ندرّس لأبنائنا واجيالنا المتتابعة تاريخ الغزاة، مؤامراتهم وخططهم للاستيلاء على العرش، باستثناء عصر الخلفاء الراشدين. يمكن اعتبار كل من جاء من الولاة إلى مصر مسيئين لتاريخها ولشعبها، رغم أن العالم مهتم بتاريخنا الفرعوني الا أننا لا ندرس تاريخ علماء الفراعنة وأشهر علومهم الطبية التي سرقها العالم من البرديات المصرية القديمة، بينما استغل الاوروبيون حضارتنا عبر تصدريها لنا باعتبارها حضارتهم هم لا حضارتنا نحن، بالطبع كان للدولة العثمانية ودولة المماليك ثم الاستعمار الأجنبي بكل مسمياته، الدور الأكبر في هذا التجهيل كله.
ما تأثير علاقتك بعلوم المصريات في انجاز روايتك الأحدث ” كعبر “؟
رواية حقيقية تحكي وقائع تاريخية حدثت في عهد الفتنة الآتونية لتفريق المصريين بمذهب من نفس الديانة، رغبة في تغطية ضعف أخناتون الجسدي قياساً بالقدرة الجسدية والجسمانية لأجداده العظماء فراعنة الدولة الحديثة، طاردي الهكسوس. كان السبب في ضعف أخناتون الجسدي هذا، هو ترك تربيته لواحد من المشكوك في أصوله المصرية، المرشد الأعلى الكاهن ” أي “، واسم ” كعبر” يعني “الكبير” في اللغة الهيروغليفية القديمة.
ما مدلول تسمية الرواية بهذا الاسم؟
الرواية تجسد كيفية اعادة التاريخ نفسه مجدداً. مصر القديمة بعد الفتنة الدينية بين المذاهب، تعرضت لأخطار خارجية كان المنقذ منها هو ” حور محب ” قائد الجيش من عصر أمنحوتي الأب لأخناتون، استمر حتى تولي حكم البلاد من غير وريث بعد اغتيال ” توت عنخ آمون ” على يد الكاهن ” أي “، بينما كان العرش مهيئاً لحكم حور محب، الا أنه تركه لأسرة رمسيس أحد أبرز قواته من بعده، ولم يطمع في شيء.
ما علاقة التقويم القمري والتقويم الشمسي لدى المصريين القدماء بعالم الأبراج والنجوم وعلم التنجيم؟
في روايتي التي لم تر النور بعد، واسمها ” كعبر وحلاوتهم وأولاد يعقوب “، كتبت عن التنجيم في حياة المصريين القدماء، كيف أن التقويم القمري لا يزال يعاني حتى الآن من مشكلات بسبب أن السنة القمرية أقل من السنة الشمسية، لذا كانت الأعياد الفرعونية، تحديدا الدينية منها تتداخل مع بعضها بعضاً، منذ عصر ما قبل الأسرات 600 قبل الميلاد، مع قصة الملاك أوزير وزوجته ايسة وابنهم حور، وهذه هي أسماؤهم الحقيقية المصرية وليست اليونانية، حتى أن احدى البرديات تهكمت على هذا التداخل، حيث كانت أعياد الصيف تأتي في الشتاء وأعياد الشتاء تأتي في الصيف، لذا كان لابد من البديل الشمسي، فكان التقويم الشمسي 365 وربع يوم، ثلاثة فصول وأربعة شهور في كل فصل يكون 12 شهراً، والشهر 30 يوماً مقسمة لثلاثة أجزاء كل جزء عشرة أيام، لم يكن هناك وجود لما يسمى لدينا اليوم بــ ” الأسبوع “، رغم من وجود قدسية فرعونية للرقم 7 الذي كان يمثل راحة المصريين للعبادة.

علوم الفلك
ماذا عن علوم الفلك لدى المصريين القدماء وعلاقتها بعلوم التنجيم؟
كان الفراعنة يدركون أن علوم الفلك والتنجيم تقوم على حقائق رياضية وفيزيائية، تعد الأهرامات المصرية دليلاً على هذا الأمر، فقد تم تصميمها لتكون من أكبر المراصد الفلكية في العالم، وهي كذلك بالفعل، وبشهادة كل العلماء الحاليين. هناك مؤلفات كثيرة تحدثت عن الطاقة الكهرومغناطيسية الصادرة من الأهرامات، كما تحدث الدكتور محمد النشائي خلال نظريته المسماة ” المحور الذهبي “، من جهة أخرى كانت المسلات الفرعونية هي مصدر امداد كهربي لأماكن معينة كالمعابد والبر عنخ ” بيت الحياة ” أو مستشفيات العلاج، كما كانت المسلات تمثل أعمدة انارة للطرق، وتعد ظاهرة شطف التوابيت البازلتية دليلاً على استخدام الفراعنة مصادر طاقة من كريستالات اليوارنيوم ورمال السيليكون خصوصا في سيناء، وهو ما تشهد عليه رحلات التعدين المصرية في مناجم الواحات والصحراء الشرقية وسيناء. حتى طلاسم سقف معبد دندرة، ذكر الأبراج وارتباطها بالبشر حسب يوم وساعة الميلاد، كما ذكر صفات عامة وليست يومية في حياتهم، وهو علم ذكر في القرآن ” والسماء ذات البروج “، لذا فقد كانت حياة الفراعنة القدماء قائمة على أسس حضارية وعلمية وليست على الدجل والشعوذة.
الطقوس الدينية
هل ارتبطت علوم الفلك في مصر القديمة بطقوس السحر؟
ارتبطت الطقوس الدينية لدى الفراعنة بالنجمة ” سوبدة ” أو ” سشات ” باللغة الهيروغليفية، كانت تظهر مرتين لاعلان الفيضان في شهر ” أخت ” الذي يعني شهر الفيض النيلي، بعد سبعين يوم من الظهور الثاني تكون الاحتفالات بوفاء النيل، التي تحل على البلاد في منتصف شهر يوليو أو أواخره. عند بداية الزرع وهدوء النيل، يبدأ لدى قدماء المصريين ما يسمي بــ ” أيام النحس ” لكنها قليلة عن شهور الصيف والحصاد للزرع، خصوصا اليوم الـ 13 من أي شهر في السنة، لأن ” ايسة ” أبكت “أوزير” ومنها بدأ فيضان النيل، كما ورد في الأسطورة الشعبية المصرية القديمة، لكن هذه الأسطورة تم تحريفها في عصور تالية لترسيخ مبدأ أن المصريين عبدوا آلهة متعددة وليس الها واحداً له صفات كثيرة كما هو جوهر الأديان كلها. كان عند المصريين أيام نحس وأيام حظ، بديل ما وجدناه في قوائم المعابد والتي كتب عليها علامات لأيام مرسوم أمامها علامة ” نفر” يعني جميل، وعلامة ” عح ” يعني نحس و” الدنيا قايمة “، لأن معنى الكلمة ” عح ” أي يقوم بالهيروغليفي، وفق ما ورد في كتاب جيمس هنري برستد ” السحر عند المصريين “.
هل خاض المصريون القدماء في قضايا كونية كقضية فناء الكون ونهاية العالم؟
أقدم نظريات لخلق العالم كانت في هليوبوليس أو مدينة ” أون ” التي هي منطقة ” المطرية ” حالياً، تقول مثلما تقول الكتب المقدسة تماماً، خصوصا القرآن الكريم، أن الأرض شكلها مثل الدحية او البيضة “والأرض بعد ذلك دحاها “، فقد ردد قدماء المصريين كلاماً مثل هذا أو في معناه، حيث قالوا بأن الأرض ” بيضة أزلية في النون العظيم من المياه الكونية “. في القرآن نقرأ عن الأرض والسماء أنهما ” كانتا رتقاً ففتقناهما “. كان يسود لدى المصريين القدماء اعتقاد بأن الاله الكامل فصل الأرض عن السماء نتيجة لهذا ظهرت الكائنات وعمرت الأرض. نهاية العالم لدى الفراعنة شيء مماثل لبدايته، وهو “الغرق في المحيط الأزلي “، لذلك تم التحنيط وعمل مراكب خاصه بالعالم الآخر، باعتبار أن الفناء هو بداية لعالم آخر وناس آخرين. كانت معظم النصوص الفرعونية تدلي باشارات كونية تدل على كل تلك المفاهيم.
لماذا لم يهتم المصريون إلى الآن بتدريس اللغة الهيروغليفية وتعلمها؟
لا أعرف سبباً وجيهاً لهذا الأمر، لكن لو تعلم المصريون لغة أجدادهم في المدارس والجامعات، لكان حبهم لبلادهم أكثر من هذا، لشعروا بالارتباط والحميمية أكثر تجاه المصريين القدماء. من الغريب أن بعض العصور التاريخية في مصر شهدت البلاد خلالها عملية تمصير لكل الغرباء الوافدين اليها، خصوصا من أبناء الملوك.الأمراء.الجند.الحكام، فكانوا يعلمونهم اللغة والديانة حتى يكون لديهم ولاء للأرض والثقافة. الولايات المتحدة تفعل ذلك الآن في شبابنا الوافدين على أرضها حتى يكونوا منتمين لها فكريا وثقافياً. للأسف أهمل المصريون هذه الاعتبارات منذ زمن، فأصبحوا لا يعرفون تاريخ بلادهم المضيء.
من هو ” يوحنا شيفتشي ” وما علاقته بفك رموز حجر رشيد؟
ـ هو من علم الفرنسي ” شامبليون ” اللغة القبطية، هو من ساعده في نطق الكثير من الحروف الهيروغليفية، كان أحد الرهبان المصرين المساعدين للحملة الفرنسية في ارشادهم لمعالم مصر وانجاز كتاب ” وصف مصر”. كان الرهبان أكثر المصرين معرفة بخباياها، كافأ الفرنسيون يوحنا الشفتشي بنقله معهم إلى باريس لتعليم بعض المتخصصين الفرنسيين اللغة القبطية، وقد نشر هذا في الجريدة الفرنسية على لسان شقيق شامبليون بعد وفاته. كانت هناك محاولات سابقة للكشف عن رموز اللغة الهيروغليفية القديمة بداية من ” ابن وحشي ” النبطي، في العصر الاسلامي نحو سنة 1200 ميلادية.
الأكاذيب الشائعة
ما أهم الأكاذيب الشائعة بخصوص قدماء المصريين تاريخيا وثقافيا ودينيا؟
هناك بعض الأكاذيب التي روجها البعض عن قدماء المصريين، منها موضوع السخرة في بناء المشروعات الكبيرة مثل، الأهرامات والمعابد وغيرها، هذا غير صحيح، لأن البطالة في شهور الفيضان الأربعة كانت تمثل مشكلة لدى الفرعون، فكان لابد من وجود مشروع قومي يعين المصريين على العمل وتحصيل الرزق، لذا كانت النهضة العمرانية، شق القنوات، صناعات الأسطول البحري، مشروعات مصرية تأتي في هذا السياق، ليس من أجل السخرة كما يردد البعض. أيضاً هناك أكذوبة ” عروس النيل ” التي جاءت على ما يبدو على يد ” بلوتارخ “، أحد الرحالة الكارهين لزوجته والذي أراد التخلص منها بالقائها في النيل فاخترع الحكاية وروجها بين المصريين، لكن المصري القديم كان يحترم زوجته، كان يسميها ” أختي المحبوبة ” و” صديقتي في العالم الأخر”، وهو ما يدل على ارتباطه الشديد بها.
ما الأخطاء المتداولة حالياً بخصوص عقيدة المصريين القدماء؟
هناك أخطاء كثيرة في هذا الجانب، سببها تعرّض أصحاب العقائد الوثنية وتعدد الآلهة من تابعي الحضارة الاغريقية، وغيرهم من الأجانب، لتفسير النصوص الدينية المصرية وفق هواهم ومعتقداتهم، لكن الثابت هو أن المصريين كانوا موحدين، فهم الصابئون وأهل الكتاب الوارد ذكرهم في القرآن الكريم، كان العرب يقولون للرسول ” أصبأت يا محمد؟ يعني هل اتبعت دين المصريين؟كان نبيهم هو ادريس، أو أوزير المصري، أول ملك نبي للمصريين في عصر ما قبل الأسرات. تعدد آلهة المصريين أكاذيب مفتراة على المصري القديم، لذا لابد للباحثين أن يدافعوا عن تاريخ وعقيدة أجدادهم، خصوصا أن أغلب الأنبياء مثل يوسف وموسى، تربوا في بلاط الفراعنة أو الوزراء المصريين، حتى العزيز المربي ليوسف في عصر الهكسوس، كانت أصوله مصرية، لذا فقد دفع بيوسف عليه السلام ليتعلم العلوم في اهناسيا ومعابدها ليكون على قدر المسؤولية.
هل الزئبق الأحمر والجن الراصد ولعنة الفراعنة حقائق لدى المصريين القدماء؟
ذكرت أن حياة المصريين قائمة على أسس علمية وحضارية. الزئبق الأحمر والكبريت وما أشبه، من تأليف الكهان في أواخر العصور الهيروغليفية، كان منهم اغريق ويونانيين من غير الأصول المصرية، كان لهم هوى وثني بعيدا عن التدين المصري. لعنة الفراعنة، ليست سحراً، انما هي اعداد علمي محكم يعمل على تفاعل مادة الراتنج المستخدمة في التحنيط مع أملاح النطرون والكيماويات الأخرى بعد غلق المقبرة لمدة طويلة. كان هذا بمثابة عقوبة لمنتهك حرمة الأموات، فهم طوّعوا العلم والطاقة الطبيعية، أما الجن، فقد عرفوا السحر الأسود وسخروا الجان، كان هذا عملاً محرماً وله عقوبة في القانون المصري القديم، لأنه يؤذي البشر وينتهك حرمة حياتهم.

حجر رشيد
فرعون محنط
كعبر
You might also like