إيّاك أن تأمن عدوّك قصص إسلامية

0 12

محمد الفوزان

بعد تجزئة الأندلس، وقيام دول ملوك الطوائف استقل “بنومناد” الصنهاجيين البربر بحكم غرناطة وما حولها، وكان من حكامها رجل اسمه باديس، وكان من أقوى ملوك البربر، واستمر حكمه سبعاً وثلاثين سنة.
وكان لباديس كاتب اسمه أبو العباس، وكان لأبي العباس هذا مساعد يهودي اسمه يوسف بن نغرالة، كان داهية يجيد التطبيل والنفاق والتقية، فلما توفي أبو العباس أخذ يوسف اليهودي مكانه، ثم اخذ في التقرب إلى باديس.
وساعده في ذلك محاولة بعض أقارب باديس الانقلاب عليه، وعرضوا على اليهودي الانضمام لهم، فوجدها فرصة لا تعوّض للتقرب أكثر لباديس، وكسب ثقته مع إحساسه بفشل تلك المؤامرة، فقام بإخبار باديس بالمؤامرة عليه، فحصل على ثقته، فرفعه باديس فوق الوزراء، فاستغل اليهودي ذلك، وعين يهودًا في مناصب مهمة في الدولة، واستمر ابن نغرالة في مكانته حتى مات، فندب باديس ابن وزيره وكاتبه الهالك، وكان اسمه أيضًا يوسف، وكان يشبه أباه في الخبث ومعرفة من أين تؤكل الكتف.
وكان استئثار اليهود بالمناصب يثير غضب أهل غرناطة، ومن الغاضبين الأمير بُلُقِّين ولد باديس الأكبر وولي العهد من بعده، والذي كان يسعى إلى عزل يوسف ابن الوزير اليهودي وإبعاده عن البلاط، وتضامن مع بلقين الكثير من رجال الدولة وشيوخ البربر.
وكان يوسف اليهودي هذا من جانبه يضع جواسيسه في القصر، فعرف من جواسيسه نية بلقين في إقصائه، فدبر له مكيده واستطاع أن يقتله بالسم، فصدم الأب الملك باديس بمقتل ابنه وولي عهده، وأفهمه يوسف اليهودي أن بعض خدم ولده هم السبب في ذلك، فقتل بعضهم.
وبعد ذلك ابتعد الملك باديس عن القيادة، وفوض الوزير يوسف اليهودي لقيادة المملكة، واستسلم الجميع لذلك عدا رجل اسمه الناية، وهو رجل خدم باديس.
وكان الناية كثيرا ما يحرض باديس على اليهودي، ويكشف له عيوبه، حتى بدأ باديس يتغير من ناحية وزيره، خصوصا بعد السخط الشعبي بغرناطة ضد اليهودي، وبعد قصيدة قالها الفقيه أبو إسحاق التجيبي في اليهود.
وعندما شعر يوسف اليهودي بما يحدث راسل أبا يحيي بن صمادح ملك “ألمرية” واستدعاه للاستيلاء على غرناطة، واستطاع ابن صمادح أن يستولي على وادٍ شمال شرقي غرناطة.
وكانت بداية المذبحة في مساء السبت العاشر من شهر صفر سنة 459هجرية / 30 ديسمبر 1066ميلادية؛ حيث اجتمع يوسف اليهودي في هذه الليلة على الشراب مع طائفة من المشاركين معه، وكان ابن صمادح قد استعد بجنوده في مكان قريب لدخول غرناطة.
ثم وقعت حادثة عابرة قلبت الأحداث؛ وهي مشادة بين أحد الحاضرين مع خادم يوسف اليهودي، الذي غضب وخرج من البيت وهو يصيح:” لقد غدر اليهودي وأدخل ابن صمادح البلدة”، فذهب الناس وفي مقدمهم شيوخ البربر إلى دار اليهودي، فهرب يوسف إلى قصر باديس، لكن في المقابل هجم الناس على القصر، وعثروا على اليهودي في خزائن الفحم وقد تنكر بالسواد، فقتلوه، ثم صلبوه في غرناطة.
وهاجت المدينة كلها، وحمل الناس السلاح، وهجموا على بيوت اليهود وقتلوهم، ونهبوا دار يوسف اليهودي، وقُتل يومها ثلاثة آلاف يهودي، أما ابن صمادح فلم يستطع أن يدخل غرناطة لاكتشاف المؤامرة مبكراً قبل اكتمالها.
عزيزي كن حذراً من عدوّك، وإياك أن تأمنه فتؤتى من قِبَله، واحرص على رضى حاضنتك في الداخل والخارج بإقامة العدل والإحسان ومكافحة الفساد بكل صوره، ولا تراهن على قوة ورضى عدوِّك عنك، فإنه لايتوقف أبداً عن النكاية بك، وربما ازدراؤك، ولنا من التاريخ شواهد.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.