إِلامَ تبقى الحكومة “طوفة هبيطة” أمام بازار الغربان؟

الدساتير عقود اجتماعية لإدارة الجماعة، والقوانين أدواتها، وحين تتخلى الدولة عن دورها في تطبيق القانون أو تحابي هذا وذاك، فهي بذلك تفتح ابواب الشر عليها وعلى شعبها، ولهذا كانت الديمقراطية، على مر التاريخ مضبوطة بضوابط لا يمكن الخروج عليها حتى لا تتحول شريعة غاب، ولا يمكن لأحد ارتضى ذلك العقد ان يفسخه أو يتمرد عليه.
من القواعد البديهية ان لا حق للخارج على القانون المطالبة بتعديله، لانه بذلك يسعى الى تشريع الجريمة، في الوقت نفسه حين يتبنى أي سياسي مطالب الخارجين على القانون، فهو يطلب المستحيل خصوصا اذا كان ذلك يؤدي الى إضعاف سلطة الدولة، التي هي في الاصل أداة حماية للمجتمع.
ربما تكون هذه المطالب محل تندر، أحيانا في المجالس الخاصة والعامة، لكنها تتحول مؤشرا خطيرا اذا ما قوبلت بتردد الدولة في الدفاع عن العقد الاجتماعي الذي تأسست عليه، أو إذا استقالت من دورها في تطبيق القانون.
في المجتمعات دائما ما يجد الخارجون على القانون من يلتف حولهم من الانتهازيين، أو الساعين لتحقيق الغلبة على خصومهم عملا بمبدأ عدو عدوي صديقي، أو كما يقول المثل «ليس حبا في معاوية، ولكن كرها في علي»، وهؤلاء يستخدمون كل الطرق لتزيين الباطل بغلاف براق من شعارات الحق، فيجدون ثمة من تحركهم الحماسة من العامة يقف معهم، عندها تأخذهم العزة بالإثم، ويتمادون متوهمين انهم قاب قوسين أو ادنى من تحقيق مراميهم الخبيثة، وفي سبيل ذلك لا يتورعون عن اثارة الفوضى، عندها تقع الدولة فريسة ترددها.
اليوم، تدرك غالبية الكويتيين هذه الحقيقة، وباتت تخاف على مستقبلها من «ميوعة» القرار الحكومي، والضعف الذي لا سابق له في التعاطي الرسمي مع ظواهر سلبية سياسية التي رغم محدوديتها تساهم في اثارة الهلع الاجتماعي مما يمكن ان تصل اليه الامور اذا استمر التردد و«تطييب الخواطر» والخضوع للابتزاز الذي اثبتت التجارب طوال السنوات السابقة ان دافعه شخصانية وأنانية، ولا يمت الى المصلحة العامة بصلة.
كثير من الاراجيف المعروضة في بازار المزيدات السياسية ضجيج أوان فارغة مصدرها بعض الانفار الذين استطاعوا في مرحلة سابقة اظهار الدولة بمظهر ضعيف، ما جعل الكويتيين يعتقدون انها ليست اهلا لحمايتهم، وهو ما يثير قلق المواطن ويبعث على التساؤل: هل يكون مع الدولة التي يراها اشبه بـ«طوفة هبيطة» أو يسير مع المرجفين الذين كلما تراجع المسؤولون عن تطبيق القانون خطوة تقدموا هم خطوات؟
حاليا ثمة محاولات لإعادة تأجيج القلاقل التي شهدتها الكويت قبل سنوات قليلة، ورغم انها لا تزال تحت السيطرة، غير انها في الوقت نفسه تذكر الكويتيين بما كاد يضيّع بلدهم، فيتساءلون: ما سبب خوف الدولة من تطبيق القانون؟ ولا يجدون جوابا.
هنا يصبح التذكير بما جرى في تونس قبل ست سنوات ضروريا، اذ إن التردد في تطبيق القانون دفع بالتونسي محمد البوعزيزي الذي كان يراهن على حماية الدولة له الى احراق نفسه، فكانت الشرارة التي أشعلت حرائق ما سمي «الربيع العربي» الكبرى فالتهمت العراق واليمن وليبيا وسورية.
هذا الدرس يجب ألا يغيب عن بال أحد في الكويت، خصوصا ان هناك غربانا مشكوك في وطنيتها واهدافها عادت موهومة تنعق بشعارات ذاك «الربيع» المشؤوم ولا تخفي سعيها الى تدمير البلد، وهذا يفرض استخدام العصا الغليظة لمواجهة من يسعى الى استبدال الادنى بالأعلى.

أحمد الجارالله