ابن الرومي…ساخرٌ محرومٌ ومتشائمٌ مات مسمومًا بتدبير من وزير الخليفة المعتضد

0 572

الساخرون على مائدة رمضان

إعداد – نسرين قاسم:

“قصرت أخادعه وغاب قذاله فكأنه متربص أن يصفعا
وكأنما صفـعت قـفــاه مــره وأحـس ثــانية لها فتجمعا”
في ذلك الهجاء يصور “ابن الرومي” قصير العنق، طويل الشعر المتدلي على ظهره لا على عنقه منقبضًا منكمشًا قد التصق رأسه بظهره في حركة تشنجية لأنه يتوقع أن يصفع على قفاه، وكأنّما قد صفع مرّة وآلمه الصفع، فهو يتجمع ليتقي الضربة الثانية، مما جعله مصفوعًا طوال الوقت، هكذا كان ابن الرومي في سخريته اللاذعة التي ربما كانت إفرازا لما قاساه في حياته من بؤس وشقاء.

مولده ونسبه
هوعلي ابن العبّاس بن جريح الرومي، كان مزيجًا من دم روميّ وفارسيّ، نزح أجداده إلى بغداد عاصمة الدولة العباسية، فأقاموا فيها مع مواليهم بني العباس، مات والده وهو طفل ، فأصبح مولى لعبد الله بن عيسى، وكانت أُمّه من أصل فارسي، وهي امرأة تقية صالحة رحيمة، كما هو واضح من رثائه لها.
شهدت حياة ابن الرومي الكثير من المآسي، والتي تركت آثارها على قصائده، وقد قال عنه طه حسين إنه كان سيئ الحظ في حياته، ولم يكن محببًا إلى الناس، وإنما كان مبغضًا إليهم، ولم يكن أمره مقصورًا على سوء حظه؛ بل ربما كان سوء طبيعته، فقد كان حاد المزاج، مضطربه، معتل الطبع، ضعيف الأعصاب، حاد الحس جدًا، يكاد يبلغ من ذلك الإسراف.
تشاؤمه وتطيره
كان “ابن الرومي”متطيرًا، كثيرالاعتقاد بالشؤم في الأشخاص والأشياء، يهجو كل ما يرى فيه نحسًا، لذلك لم يكن ذلك الشاعر الذي يجيد كسب عطف ممدوحيه من الخلفاء والوجهاء، إذ كانت طبيعته العصبية الساخطة وغرابة أطواره، حاجزًا يحول بينه وبين التقرب إليهم، فكانت علاقته بهم جافة.
وإن كان قد اتصل ببعض رجالات الدولة في عهد خلافة المعتضد؛ إلا أنه لم ينل منهم ما يملأ رغبته في العيش الرغيد المبني على الإسراف والبذخ، فكان دائم التشكي والسخط، وكان متشائمًا من كل شيء يلقاه مما جعلها عرضة هو الآخر للسان الناس.

بالغ “ابن الرومي” في هجائه حتى تفوق على أبرز شعراء هذا النوع من الشعر، وهذا دليل على اضطراب واختلال في نفسيته، وسخر به الناس لغرابة أطواره وعبثوا به وآلموه، فسلط لسانه اللاذع عليهم.

سخريته وهجاؤه
رزق “ابن الرومي”ملكة خاصة في السخرية والدعابة، فكان لديه القدرة على تجسيد الشخصيات والنقد مثل أصحاب الصور الكاريكاتيرية، معتمدًا على مهارته الفنية التي تجسد وتشخص ما يريد من صفات ساخرة، فيما يرى في الشعر عنوانًا وبوقًا للحقيقة الصارخة ، كما اتسم بلسان حاد مسلط كسيف قاطع على رقاب كل من طالتهم نقمة الشاعر، فقد كان يطمح لحياة زاهية وعيش رغيد يليق بمكانته السامية في نظره؛ إلا أنه لم يظفر بشيء من ذلك، فعانى من الحرمان، فسخط وهجا.
عاش “ابن الرومي” شاعرًا كبيرًا في العصر العباسي، من طبقة بشار والمتنبي وظل حتى خلافة المعتضد، ورُوي أنّه مات مسمومًا بتدبير من القاسم بن عبيدالله الوهبي وزير المعتضد، خشية من لسان الشاعر، فقد كان ظالمًا عاتيا وخاف أن يهجوه “ابن الرومي” فدسِّ له السّم في قطعة حلوى، ودسّ له من أطعمه إياها، فكانت وفاته في بغداد، ودُفن فيها في مقبرة البستان.

You might also like