“ابن السراج والجميلة شريفة” طليعة الأدب الأندلسي فردوس المسلمين الضائع - 11

0 78

إعداد – محمود خليل:

عانى المسلمون في الأندلس، كثيراً من ظروف القهر والرقابة الدائمة التي فرضت عليهم بعد سقوط الأندلس، التي كانت محاكم التفتيش المعينة من طرف الكنيسة مسؤولة عن ترتيبها وتنفيذها.
أدت تلك الرقابة الصارمة إلى نفور شديد من قبل الموريسكيين من كل ما يأتي من قبل السلطات الصليبية، فبعد الذوبان الاجتماعي للأندلسيين القشتاليين وأندلسي الغرب، ثاروا على المسيحية التي فرضت عليهم، وبدأوا في البحث عن جذورهم الإسلامية العربية المفقودة. زاد من حدة تحول هؤلاء الاندلسيين، الذين اجبروا على اعتناق المسيحية – المسيحيون الجدد كما كان يطلق عليهم – طرد أندلسيي غرناطة إلى مناطق تواجدهم، اذ وجدوا في الأندلسيين القدامى في غرناطة، ما فقدوه قبل قرون، كما أجبر تواجدهم النصارى القدامى على عدم نفورهم من أهل غرناطة على النصارى الجدد.
لم يمر وقت طويل حتى التحم أندلسيو غرناطة مع باقي الأندلسيين في شتى المقاطعات الخاضعة لحكم القشتاليين، ما نتج عنه فئة جديدة نتيجة ظلم محاكم التفتيش، أسموها “الموريسكيون”، شكلت عنصراً جديداً في التركيبة السكانية والاجتماعية في الأندلس.

يمثل الأدب الأندلسي حقبة ذهبية في تاريخ الأدب الإسباني الحديث إذ يعكس بشكل أو آخر، الحضور العربي في شبه جزيرة أيبيريا “إسبانيا والبرتغال”، طوال عشرة قرون، إذا ان هذا الحضور لم ينته بتسليم غرناطة عام 1492، بل استمر مع الأندلسيين، الذين استمروا في أرضهم التي شهدت مولدهم لأجيال طويلة حتى تم طردِهم كلهم في بداية القرن السابع عشر.
اشتهرت هذه الحقبة في تاريخ الأندلس بالصراع الدامي الدائر بين الملوك، وبين الأسر القوية من ناحية، وبين تلك الأسر في ما بينها، خصوصاً بين أسرتي بني سرّاج وبني الثغري، من ناحية أخرى، كان النزاع الأخير مِن أسباب التعجيل بسقوط غرناطة.
تمثل القصص الإسلامية الأندلسية جسرا بين الثقافتين الإسلامية والمسيحية أو العربية والإسبانية، تعد قصة “ابن السرَاج والجميلة شريفة”، مجهولة المؤلف، من أهم قصص التراث الأندلسي، إلى جانب قصص “دون كيشوت”، “الكونت لوكانور”، “لاثارييو دي تورميس”، مسرحيات “لوبي دي بيجا”، فكلها أعمال تنقل صورة العربي الأندلسي في المتخيل الإسباني، اعتماداً على الخيال تارة وعلى الوقائع التاريخية تارة أخرى، لكن من منظور المنتصر المتعالي على الآخر، في معظم الأحيان، مع منح الشخصيات الإسلامية درجة من المثالية، مثل شخصية “ابن الريس” في قصة “ابن السرَّاج والجميلة شريفة”، إذ يتصف بالنبل والوفاء بكلمته للإسباني المسيحي، حتى عرضته هذه الخصال للحبس والحرمان من الزواج بشريفة.
تروي القصة عن “ابن الريس” أحد أشراف الأندلس، الذي كان في طريقه من “قرطمة” أو قرطبة، للقاء محبوبته “شريفة” الجميلة التي تعيش في قصرها في “كوين”، كان عليه أن يعبر منطقة “ألورة” الحدودية المعادية، بينما حرب “استرداد” إسبانيا باسم المسيحية من أيدي العرب لا تزال قائمة، فيما كان حكام الطوائف العربية الإسلامية تتنازع على السلطة.
اعترضه فرسان مسيحيون يعملون في خدمة “رودريجيث دي نربايث”، عمدة ألورة، الذي كان نبيلاً بفضائله وحمله للسلاح ضد المسلمين، فوقع صراع غير متكافئ بين الطرفين، مع هذا تغلب العربي على الفرسان المسيحيين، لكنهم استنجدوا بـ “العمدة”، الذي تمكن منه في الجولة الثانية، بعدما وقع في الأسر، حزن بشدة لأنه لن يتمكن من الوصول إلى خطيبته.
حكى ذات يوم مأساته للعمدة الذي تفهم أمره، فأطلق سراحه لأيام ليعود بعدها إلى الأسر. بعد لقائه بمحبوبته وزواجهما يعود إلى العمدة الذي أطلق سراحه نهائياً، بلا فدية، فما كان منه إلا أن أرسل هو وزوجته شريفة هدية ثمينة للعمدة تتناسب مع كرمه.
تدعو القصة إلى التعايش بين ثقافتين مختلفتين آنذاك، إذ يوجد تفاهم بين المسلم والمسيحي مع وجود لعنصر “الحب” الذي يذلل العقبات، إنه تيار يحاول إعادة خلق وفضائل الفروسية في العصور الوسطى بدلاً من البعد عنها، في فترة كان يحاول فيها النظام الجديد توحيد ثقافة إسبانيا، لإفساح المجال أمام المسيحية لتكون الدين الوحيد هناك.
تضم القصة مجموعة من الأغنيات الشعبية “الإسبانية”، تناقلتها الأجيال حتى القرن الماضي، تغنى بها أهل الريف الإسباني في سهراتهم قبل ظهور التلفزيون.
من هذه الأغنيات:
ولدتُ في غرناطة
تربيتُ في قرطبة
أحببتُ في كوين
فارس حدود في ألورة
يؤكد مضمون القصة على ماضي المسلمين الأندلسيين،ويبين أن العادات الفاضلة، التقاليد الحميدة، الشمائل الكريمة لهم، تؤكد على التأثير الذي أحدثه هذا المجتمع في صفوف المجتمع الآخر.
بلغ من صدق الأدب الأندلسي أن تأثيره لم يقف عند الحدود السياسية لدولة الإسلام في الأندلس، بل كان له بالغ الأثر عند المسيحيين واليهود المستعربين، كما كان له أثر على ممالك أوروبا كلها.
بل إن الشعر العبري الحديث ظهر مقلدا نماذج من الشعر العربي، كما كتبت كتب النحو العبري الرئيسة بالعربية، مثل كتاب “ينبوع الحياة”، الذي ألّفه “ابن جبيرول” باللغة العربية، مقلّدا شعراء العرب فيما نظم من الشعر.
كتب أيضا “يحيى بن فاقوذا”، رسالته في الأخلاق والتصوف بعنوان “الهداية إلى فرائض القلوب” بالعربية، مثلما كتب بها “يهودا هاليفي” كتابه “الخزري”، كما ألف بها أبوعمر يوسف بن صديق، استعملها إبراهيم بن داوود الطليطلي، إبراهيم بن عزرا، موسى بن ميمون، بل إن الأفكار التي تدور حولها كتابات هؤلاء كلها عربية.
ظل اليهود بعد زوال سلطان المسلمين عن البلاد بزمان طويل يتدارسون الكتب العربية، يترجمونها إلى العبرية، استطاعوا بذلك الاحتفاظ في أحيان كثيرة بترجمات عبرية للكثير مما ضاعت أصوله من آثار الأندلسيين، بل إن أسرا يهودية كبني طيبون اللونليين كرست جهودها لنشر الكتب العربية للعامة.
كان للأدب العربي الأندلسي نفس الأثر عند المسيحيين، إذ كانوا جيرانا للمسلمين الأندلسيين، فلم تقتصر علاقتهما على الحرب فقط بل كانت بينهما صلات سلمية أيضا، فعرف مسيحيو الشمال ما كان للمسلمين في الجنوب من نُظم سياسية، إدارية، دينية وتجارية.
عندما انتصر المسيحيون بعد حربهم الطويلة مع المسلمين، التي يسميها كتّابهم بحرب “الاسترداد”، تمكنوا من احتلال طليطلة، عمل ملوك قشتالة على رفع مستوى الثقافة بين شعبهم، بنقل كنوز الثقافة الإسلامية إلى لغاتهم، من ثم ظهرت فى طليطلة “مدرسة المترجمين”، التي نقلت العلوم الإغريقية وما أضافه العرب إليها من شروح وتعليقات إلى المدارس الأوروبية.
كان دافع المسيحيين من تدارس كتب العرب في بعض الأحيان، الدفاع عن المسيحية، التعرف على آراء خصومهم المسلمين فى المسيحية ليستطيعوا مجادلتهم وإظهار فضل عقيدتهم، منهم من اهتم بدراسة اللغة العربية
وعلوم المسلمين، مثل، رايموندو مارتين، رايموندو لوليو، القديس بدرو بشكوال، دانتي اللجييرى، الذي قرأ القصص الإسلامية المتعلقة بقيام الساعة وأوصاف الدار
الآخرة، التي ظهرت في كتابة “الكوميديا الإلهية”.
بلغ الاهتمام بدراسة علوم المسلمين في الأندلس أوجه في عهد ألفونسو العاشر، إذ تم ترجمة “القرآن”، “التلمود”، “القبالة”، كتب الفلاسفة المسلمين ومفكريهم، كتب الألعاب مثل الشطرنج.
انتشرت أيضا ترجمات كتب “كليلة ودمنة”، “حي بن يقظان”، “ألف ليلة وليلة”، “السندباد”، “سلوك رجال الدين”، كما أُنشئت مدرسة للدراسات العليا في مُرسية وأخرى في إشبيلية، ضمت أعلام العلماء من المسلمين، النصارى واليهود، كان يشرف عليها، الملك الملقب بـ “السَابيو” أو العالم.
كذلك صيغت كل الأشعار الغنائية الموجودة في اللغات الرومانية في العصور الوسطى، في أوزان وبحور، مشتقة من أوزان فن شعرى ابتكره الأندلسي “مُقدم القَبْرِي”، سمي بـ “الزجل” و”الموشح”، الذي
انتقل مع الموسيقى الأندلسية ذات الأصل العربي إلى فرنسا، إنكلترا، ألمانيا، كما
استمر في الأندلس حتى بعد انتهاء العصر الإسلامي.

You might also like