اتخاذ القرارات… فن

0 162

تفشل ثقافتنا في تعليمنا المهارات الأساسية التي نحتاجها لكي نعبر بنجاح مراحل الحياة المختلفة. فهذه الثقافة فشلت في تعليمنا قيمة الحب الصحي والحقيقي، كما فشلت في تعليمنا كيف نحس ونتفاعل مع مشاعرنا، وكيف نتعامل مع أفكارنا. كما يتجلى فشلها في تعليمنا كيف نتفادى “الحفر” و”الألغام الأرضية” التي تواجهنا أثناء التحولات المتوقعة في مسيرة الحياة. كما تفشل في تعليمنا كيفية اتخاذ القرارات الكبيرة منها والصغيرة.
لا تفشل ثقافتنا في تقديم المهارات المفيدة لكيفية اتخاذ القرار فحسب، بل تقترح أساليب غالباً ما تقضي على العملية بأسرها وتخربها. والمثال الرئيس على ذلك قائمة الإيجابيات والسلبيات، التي هي الأداة الرئيسة التي تقدمها الثقافة عندما نحاول اتخاذ قرار في حياتنا. على السطح لا يوجد شيء خطأ في إعداد مثل هذه القائمة، ولكن عندما ننظر أعمق، نرى أنها طريقة لمحاولة اتخاذ قرار من داخل أذهاننا. قد لا توجد إجابات في رؤوسنا. لأن عقولنا قد تساعدنا في حل المعادلات الرياضية، أو حفظ معلومات التاريخ. ولكن إتخاذ القرارات مجال ذاتي يحتاج إلى الاتصال بالحكمة، وبالموجهات الروحية وإلى الوضوح، وهي الموارد التي نحتاجها عند اتخاذ القرارات المهمة والمصيرية. وإذا تعلقنا فقط بقوائم “الإيجابيات والسلبيات” فإننا نقول لأنفسنا لا يوجد مخرج إلا أذهاننا التي تصبح الأداة الوحيدة للتنبؤ ونغفل الموارد الأخرى والنتيجة أن نتعلق بأذهاننا فقط. أما الأداة الثانية لصنع القرار التي تقدمها الثقافة فهي “ثق بحدسك واستمع إلى قلبك”. مرة أخرى هذه نصيحة غير صحيحة حيث أن المشاعر عابرة، وعلى هذا النحو نعتبر مؤشرات إرشادية لا يمكن الاعتماد عليها لاتخاذ القرارات. وللأسف تتبنى الثقافة هذا النمط من التفكير عندما يتعلق الأمر بعلاقاتنا الحميمة. وتنطلق عبارات مثل: “ما عليك إلا أن تعرف بقلبك فقط”، أو “إذا ساورك الشك فهذا يعني لا”. وكلما زاد عدد الأشخاص الذين يسمعون هذه العبارات نقلوها إلى الآخرين، وهذا هو السبب في أنك إذا كنت تجرؤ على التعبير عن أنك تعاني في علاقاتك من ناحية الحب والإخلاص، فربما ستسمع واحدة من هذه العبارات الغامضة التي لا تفهم تقلبات الأفكار والمشاعر.
إذا لم نتخذ القرارات من رؤوسنا أو من خلال مشاعرنا فكيف نتخذها إذن؟
نتخذها من خلال الحكمة، من التيار القابع وراء أجسامنا ويدير أفكارنا ومشاعرنا. علينا أن نصنع قراراتنا من “بئر الذات” ونجعله مكان المعرفة، وهو ليس الحدس تماماً وليس الفكر تماماً. وإنما هو المكان الذي بداخله نثق بأنفسنا ونعرف أنفسنا، إنه المكان الذي لا يساوي بين العواقب وبين قيمة الذات، أو بعبارة أخرى أننا على استعداد لتحمل المخاطر وارتكاب الخطأ. عندما يكون الكمال واضحا على رأس “سفينتنا الداخلية”. وعندما نعتقد أن القرارات الذاتية من الخارج هي القرارات “الصائبة” أو “الخاطئة”، فإننا “نضع أزهارنا في المكان الخطأ”، لكن عندما “نملأ مياه بئرنا الداخلي” يتغير كل شيء، بما في ذلك كيفية اتخاذنا للقرارات. ولكن لأن قلة قليلة من الناس يتعلمون كيف يعيشوا حياتهم من داخل “آبار أجسادهم”، فإنهم لا يعرفون كيف ينسحبون من أذهانهم، ويصلون إلى هذا المكان من الحكمة. هذا ما ينبغي أن نتعلمه لنثق بأنفسنا، والتغلب على مخاوفنا من الفشل، إن صعوبة اتخاذ القرارات تنحصر في الشك في النفس. ومن دون الثقة بالنفس نخشى أن نرتكب خطأ. وينتهي الأمر بمجاراة الآخرين واتباع خطواتهم الفاشلة بل وقد نسقط في هوة القرارات غير السديدة.

You might also like