اتعظوا من الدروس والعبر مختصـر مفيد

0 100

أحمد الدواس

عاش العراق في العهد الملكي، للملك فيصل الأول وفيصل الثاني، في رفاهية وصناعة، وفن وموسيقى، وحياة اجتماعية راقية، وامتلك التجار المصانع، وكان للعراق دور رائـد في أحداث المنطقة، وضرب الملك فيصل ونظامه مثالاً رائعاً على الوحدة الوطنية، إذ كان قلبه يتسع لاحتضان المواطنين بمختلف انتماءاتهم الدينية، والقبلية والعرقية، وأنشأ مؤسسات حكمت العراق بشكل جيد، لكن العالم العربي أُبتلي في خمسينات وستينات القرن الماضي بأصوات مفكرين تنادي بالاشتراكية، وظهر نظام عربي معروف أوهم العرب بمزايا الاشتراكية والثورة والانقلاب على الملك، فبعد إطاحة الملك فاروق في مصر، تم إسقاط الحكم الملكي في العراق بانقلاب عسكري، ثم أطيح النظام الملكي في اليمن وفي ليبيا، وانقلب الشيوعيون على الملك سيهانوك في كمبوديا عقب تداعيات الحرب الفيتنامية.
وفي نيـبال كان الملك يحكم بلاده في ظل وضع آمنٍ ومستقر، وفي يوم ما طلبت مجموعة من أفراد الشعب من الملك إجراء إصلاحات دستورية وفي سنة 1996،أصرت هذه المجموعة على مطالبها ودعت المواطنين الى الخروج في مظاهرات شعبية تندد بالسلطة، فماذا كانت النتيجة؟
لقد تدهور الوضع الداخلي، ونشبت حرب أهلية، ولم يتمكن الملك من السيطرة على الحكم، ثم وافق على التنحي وتسليم السلطة للشعب، وفي سنة 2008 ألغى البرلمان نظام الملكية، وأعلنت البلاد النظام الجمهوري، لكن الشعب دفع ثمناً باهظاً، فقد مات في الاشتباكات الداخلية نحو 16 ألف شخص، وظهرت توترات عرقية وطبقية، مع فساد المسؤولين والجيش والشرطة، وضعفت الوحدة الوطنية بشكل كبير، وطرأت أزمات عدة، وتضررت البلاد بشكل كبير حتى وقتنا الحاضر، وكانت أفغانستان في ظل النظام الملكي ثم أصبحت جمهورية فساءت أحوالها.
يحن الإيرانيون الى حكم الشاه، لأن الثورة لما اندلعت في سنة 1979، كانت تنادي بشعارات أنها ستكفل للمواطن الحرية وحُسن المعيشة، لكنها بعد 40 سنة لم تُحقق له هذه الآمال، بل ان حياة الإيرانيين المعيشية اليوم أسوأ عما كانت عليه خلال عهد الشاه، فهناك قمع للحرية السياسية، وفُرضت القيود الاجتماعية التي صارت هي القاعدة، وأصبحت الانتخابات البرلمانية والرئاسية من نصيب الإسلاميين فقط.
كذلك يحن المصريون الى عهد الملك فاروق، ففي عهده كان الناس يعيشون حياة راقية مع تسامح ديني، ولا يعلم كثير من الناس ان مصر أقرضت ألمانيا وبلجيكا بعد الحرب العالمية الثانية، وفي الفترة الماضية ظهرت حركة تسمى”ياريس نحن نعتذر” موجهة للرئيس الأسبق حسني مبارك، ويحن الليبيون الى عهد الملك إدريس السنوسي، بل يعتقدون ان الرئيس القذافي لو كان حيا ماظهر العنف وتنظيم داعش في ليبيا، ولوسألت اللبنانيين الآن لقالوا ان الحياة في بلدهم كانت جيدة على جميع المستويات حتى سنة 1975، أي إلى ماقبل الحرب الأهلية.
وكانت جنوب أفريقيا مستقرة خلال حكم مانديلا، وبعد وفاته تدهور وضعها الداخلي برئاسة زعيمها السابق جاكوب زوما، وأصبحت تعاني من الفساد والانقسامات الحزبية، وارتكب هذا الرئيس أخطاءً كثيرة فقد استغنى عن المخلصين وأصحاب الخبرة العاملين بمؤسسات الدولة، وعيّن الموالين له، وظهر “آل غوبتا” وهم هنود، وصلوا البلاد فاستغلوا القوانين الاقتصادية لصالحهم، امتلكوا صحيفة وقناة تلفزيونية، فوظفوا إبن زوما واسمه دادوزين مديراً لإحدى شركاتهم، وأصبحوا كأنهم”دولة ظل”، ينظرون الى جنوب أفريقيا كأنها عقار لهم، لدرجة أنهم استغلوا مطار البلاد العسكري لاستقبال الضيوف لحضور حفلات الزفاف التي يقيمونها، وأصبح سكان جنوب أفريقيا يكرهون النظام الحالي، وفي شرق أوروبا يشعر اليوغسلاف بحنين إلى يوغسلافيا الموحدة التي تفككت جمهوريات، كذلك تفكك السودان الى شمال وجنوب بعد ان كان قوياً.
نعم هناك سوء إدارة وفساد حكومي في بلدنا، لكننا عشنا في أمن واستقرار عقود طويلة من الزمن، ولم نحتشد في تجمعٍ ما ضد الحكومة حتى لا يطمع بنا الأعداء، فتتشجع خلايا مخربة قد تستغل الموقف الداخلي وتبدأ في بث سمومها، أو تزعزع الاستقرار الوطني، لاسيما ان الوضع الإقليمي خطير، فكفى… كفى ما حدث للكويت، احمدوا ربكم على النعمة، فنحن محسودون مع دول الخليج على نعمة الأمن والاستقرار، بينما تجتاح العالم احتجاجات الشعوب.
نرجو ان تستعين الحكومة بأسلوب الاستفتاء الشعبي لتتعرف على مطالب المواطنين حول مسألة ما، مارأيكم بهذه الفكرة، التي تعمل بها بعض الدول؟
اقرأوا أحداث التاريخ وانظروا الى مآسي الشعوب، واتعظوا من الدروس والعبر.

You might also like