اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله حكايات عربية للعبرة والتسلية (21)

0 12

القاهرة – مختار عبد الحميد:

جميع شعوب الارض لهم عادات وتقاليد يتوارثونها جيلاً من بعد جيل، تشكل كيان الامة ووجدانها، وتعتبر كقانون ملزم لكل افرادها، وهكذا نرى ان المجتمع العربي سواء في الجاهلية او بعد الاسلام،
دائما كان متمسكا بتقاليده وعاداته التي توارثها، كمحاسن
الاخلاق والكرم وغيرها، وحتى يغرس هذه التقاليد ويحافظ
عليها كان لابد ان تنتقل من خلال قصص تروى وليس الغرض
منها فقط التسلية والترفيه عنا في اوقات الفراغ، انما تقدم
لنا نماذج وامثلة تصور هذه العادات وتوضح نبل مقصدها وتدفع الناس الى الاقتداء بهذه الامثلة من الايمان والواجب
والحق والتضحية والكرم والشرف والايثار وايضا تقدم الصور
السلبية من البخل والطمع وغيرها…والتي تقدمها من خلال
ما ورد من حكايات تزخر بها كتب السيرة وتاريخ الامم مما نقلوه من الاجداد.

اشتهر العرب بالفراسة حيث كان العربي يستطيع أن يعرف من ملامح الشخص اصله ومن أي قبيلة هو وأن يأخذ انطباع عام عن شخصيته مثل كرمه أو بخله ، شجاعته أو جبنه.
وعن الفراسة قال الله تعالى: “إن في ذلك لآيات للمتوسمين “. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله” . وقال علي رضي الله تعالى عنه: “ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه”. وقيل: أشار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على علي رضي الله تعالى عنه بشيء فلم يعمل به، ثم ندم فقال: يرحم الله ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق.
وحكى أبو سعيد الخراز أنه كان في الحرم فقير ليس عليه إلا ما يسترعورته فأنفت نفسي منه، فتفرس ذلك مني فقرأ “”واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه” فندمت واستغفرت الله في قلبي فتفرس ذلك أيضا فقرأ “هو يقبل التوبة عن عباده”
وحكي عن الشافعي ومحمد بن الحسن أنهما رأيا رجلا فقال أحدهما: إنه نجار وقال الآخر: إنه حداد، فسألاه عن صنعته فقال: كنت حدادا وأنا الآن نجار.
ويروى أن شخصا من أهل القرآن سأل بعض العلماء مسألة فقال له: اجلس فإني أشم من كلامك رائحة الكفر، فاتفق بعد ذلك أنه سافر السائل فوصل إلى القسطنطينية فدخل في دين النصرانية قال من رآه: ولقد رأيته متكئا على دكة وبيده مروحة يروح بها عليه، فقلت: السلام عليكم يا فلان، فسلم علي وتعارفنا ثم قلت له بعد ذلك: هل القرآن باق على حاله أم لا؟ فقال: لا أذكر منه إلا آية واحدة وهي قوله تعالى: “ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين” . قال: فبكيت عليه وتركته وانصرفت.
وكان الحسن بن السقاء من موالي بني سليم ولم يكن في الأرض أحزر منه، كان ينظر إلى السفينة فيحزر ما فيها فلا يخطىء وكان حزره للمكيول والموزون والمعدود سواء. كان يقول في هذه الرمانة كذا وكذا حبة وزنتها كذا وكذا ويأخذ العود الآس فيقول فيه كذا وكذا ورقة فلا يخطىء.
وقالوا: إذا رأيت الرجل يخرج بالغداة ويقول لشيء “وما عند الله خير وأبقى” فاعلم أن في جواره وليمة ولم يدع إليها، وإذا رأيت قوما يخرجون من عند قاض وهم يقولون “وما شهدنا إلا بما علمنا” فاعلم أن شهادتهم لم تقبل.
وإذا قيل للمتزوج صبيحة البناء على أهله: كيف ما تقدمت عليه؟ فقال: الصلاح خير من كل شيء، فاعلم أن امرأته قبيحة، وإذا رأيت إنسانا يمشي ويلتفت، فاعلم أنه يريد أن يحدث. وإذا رأيت فقيرا يعدو ويهرول فاعلم أنه في حاجة غني. وإذا رأيت رجلا خارجا من عند الوالي وهو يقول “يد الله فوق أيديهم” فاعلم أنه صفع.
ويقال: عين المرء عنوان قلبه. وكانوا يقولون عظم الجبين يدل على البله، وعرضه يدل على قلة العقل وصغره يدل على لطف الحركة، وإذا وقع الحاجب على العين دل على الحسد، والعين المتوسطة في حجمها دليل الفطنة، وحسن الخلق والمروءة، والتي يطول تحديقها يدل على السمع، والإذن الكبيرة المنتصبة تدل على حمق وهذيان.
قال عبد الله بن سلمة المرادي: “نظر عمر بن الخطاب إلى الأشتر، فصعّد فيه النظر وصوّبه، ثم قال: إن للمسلمين من هذا يوماً عصيباً. فملك الأشتر العرب. وكان جباراً سفاحاً”.
ودخل رجل على عثمان بن عفان رضي الله عنه -وقد رأى امرأة في الطريق، فتأمل محاسنها- فقال له عثمان : “يدخل عليّ أحدكم، وأثر الزنى ظاهر على عينيه؟!”، فقال الرجل: “أوحيٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟”، فقال: “لا، ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة”.
وقال الحارث بن مرة: “نظر إياس بن معاوية إلى رجل فقال: هذا غريب، وهو من أهل واسط، وهو معلّم، وهو يطلب عبداً له آبق، فوجدوا الأمر كما قال، فسألوه فقال: رأيته يمشي ويلتفت فعلمت أنه غريب، ورأيته وعلى ثوبه حمرة تربة واسط ، فعلمت أنه من أهلها، ورأيته يمر بالصبيان فيسلم عليهم ولا يسلم على الرجال فعلمت أنه معلّم، ورأيته إذا مرّ بذي هيئة حسنة لم يلتفت إليه، وإذا مرّ بذي ملابس رثّة تأمله، فعلمت أنه يطلب عبدا آبقا”.
وذكروا عن المنصور أن رجلاً جاءه، فأخبره أنه خرج في تجارة فكسب مالاً، فدفعه إلى امرأته، ثم طلبه منها، فذكرت أنه سرق من البيت ولم ير نقباً ولا علامة على ذلك، فقال المنصور: “منذ كم تزوجتها؟”، قال: “منذ سنة”، قال: “بكراً، أو ثيبا؟”، قال: “ثيباً”، قال: “فلها ولد من غيرك؟”، قال: “لا”، فدعا له المنصور بقارورة طيب كان حاد الرائحة وغريب النوع، فدفعها إليه وقال له: “تطيّب من هذا الطيب؛ فإنه يذهب غمّك”. فلما خرج الرجل من عنده قال المنصور لأربعة من ثقاته: “ليقعد على كل باب من أبواب المدينة واحد منكم، فمن شمّ منكم رائحة هذا الطيب من أحد فليأت به”، وخرج الرجل بالطيب فدفعه إلى امرأته، فلما شمّته بعثت منه إلى رجل كانت تحبه، وقد كانت دفعت إليه المال، فتطيّب من العطر، ومرّ مجتازا ببعض أبواب المدينة، فشمّ الموكّل بالباب رائحته عليه فأتى به المنصور، فسأله: “من أين لك هذا الطيب؟”، فلجلج في كلامه، فدفعه إلى والي الشرطة، فقال: “إن أحضر لك كذا وكذا من المال فخلّ عنه وإلا اضربه ألف سوط”، فلما جرّدوه للضرب أحضر المال على هيأته، فدعا المنصور صاحب المال، فقال: “أرأيت إن رددت عليك المال، تحكّمني في امرأتك؟”، قال: “نعم”، فقال له المنصور: “هذا مالك، وقد طلقتُ المرأة منك”.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.