"مصرف البابا" بين الفساد والإصلاحات كتاب يسلّط الضوء على الامبراطورية المالية الدينية

اتهام الفاتيكان بغسل الأموال أجبر البابا السابق على الاستقالة ويهدد الحالي "مصرف البابا" بين الفساد والإصلاحات كتاب يسلّط الضوء على الامبراطورية المالية الدينية

الفاتيكان

“الكوريا رومانا” عصب السلطة في حاضرة الفاتيكان خاضع للهيمنة الإيطالية التي تتمتع بحصة الأسد من إدارة الاموال

استثمر الفاتيكان قسطا من ثروته في الصناعة الحربية الأميركية بغرض مجابهة هتلر … واليوم تحول نزيفاً

بقلم – عزالدين عناية:
عقِب اعتلاء البابا المستقيل جوزيف راتسينغر كرسي البابوية سنة 2005، بدأ معه تحذير من مخاطر تحوّل الكنيسة إلى مؤسسة دنيوية ربحية، على غرار غيرها من المؤسسات اللاهثة وراء تحقيق النفع المادي. وقد لخّص هرم القيادة الكاثوليكية موقفَه حينها في كتاب حِواري بعنوان “نور العالم”، عدّ فيه ما يجري هو حصيلة مسار سقيم انساق للتأقلم مع الثقافة اللائكية والتصالح مع روح العصر دون مراعاة خصوصية الكنيسة. فقد حالت صلابة راتسينغر الدوغمائية دون أن يلوذ الرجل بالصمت، تقديرا منه أن ليس بوسع المرء أن يخدم الله والمال تبعا لما يرد في الإنجيل (متّى6: 24).
في الأثناء توالت الأصوات المحذّرة من الخط الدنيوي الذي بات متسرّبا داخل الكنيسة. وجاء ذلك من المقرَّبين من دوائر القرار في حاضرة الفاتيكان على غرار جان فرانكو سفيدركوسكي النائب الأسبق لرئيس تحرير صحيفة “أوسرتفاتوري رومانو” اللسان الرسمي للفاتيكان، وهو ما ورد بليغا وموجزا في كتابه “عودة رجالات الكنيسة” الصادر قبيل استقالة راتسينغر، والذي عدّد فيه المسائل العاجلة؛ وبالمثل من المتابعين العلمانيين للشأن الفاتيكاني على غرار فرانشيسكو بيلوزو مؤلف كتاب “مصرف البابا” الصادر أواخر العام الفائت، والذي يعيد فيه تفكيك سلطان المال داخل حاضرة الفاتيكان مبرزا خطورة ما يواجه البابا الحالي فرانسيس برغوليو من تحديات على غرار سلفه المستقيل.
في كتاب فرانشيسكو بيلوزو”مصرف البابا…مالية حاضرة الفاتيكان بين الفساد والإصلاحات”، الصادر عن مارسيليو نودي (في مدينة البندقية) ‹باللغة الإيطالية›العام الماضي، وعدد صفحاته عدد الصفحات: 220 صفحة، يتمحور الكتاب أساسا حول علاقة الكنيسة بالمال. والمؤلف هو خبير بالشأن الفاتيكاني من جماعة الكتّاب المعروفين في إيطاليا بالفاتيكانيسْتا، يتعاون مع العديد من المجلات والصحف المرموقة، ومن منشوراته “الربّ وحده” (لنداو 2007). حيث يحاول الكاتب تشخيص أعراض تلك الأزمة من خلال التطرق إلى أهم مفاصل النشاط المالي واختلالاته.
يرصد في المحور الأول المعنون بـ”بندكتوس السادس عشر: الفاتيكان تحت الحصار” الدوافع التي حملت البابا السابق على الاستقالة، بوصف تلك المخاطر لا زالت تتربص بالبابا الجديد، مبرزا أن جوهر المسألة يتلخص في نفوذ بعض الأطراف المالية التي غالبا ما يعجز رأس الكنيسة عن إدخال أي تحوير على أنشطتها.
وصحيح أن أزمة الكنيسة في العقود الأخيرة باتت مركبة، لكن يبقى الجانب المتعلق بالمال أبرزها، فما انفكت قضايا الفساد المالي داخل حاضرة الفاتيكان تلقي بظلالها بوصفها إحدى المسببات للتوتر.
ومن هذا الباب جاء اختيار فرانسيس برغوليو من “الكونكلاف”-مجلس الكرادلة المكلف تعيين البابا- رغبة في إدخال تحوير على مراكز النفوذ داخل حاضرة الفاتيكان وتقليص الطابع الدنيوي الذي بات طاغيا.
جاء البابا الجديد، أو جيء به، على أمل خوض إصلاحات داخل الكنيسة، وانهمكت آلة الدعاية حينها في تصوير برغوليو قدّيسا قادما من أقاصي المعمورة، أذكاها الرجل من جانبه بمظاهر تقشف لافتة، بدت في اختيار محل سكناه في دير القديسة مارتا المتواضع بدل القصر الرسولي الفخم، وما تبعه من انتقاء مظهر بسيط رفض فيه تقلّد الصليب الذهبي وحمل صليبا من حديد.
من أين تبدأ الإصلاحات داخل حاضرة الفاتيكان؟ يتساءل بيلوزو. موضحا أن خوض غمار ذلك، كما يقدّر البابا فرانسيس، يرتبط أشدّ الارتباط بتخفيف القبضة الإيطالية على كنيسة روما، في مسعى لتفكيك البيروقراطية المتجذرة والاستعاضة عنها بكفاءات من خارج، مبرزا الكاتب أن تلك المبادرات تجد دعما من جناح داخل الكنيسة يتطلّع إلى إصلاحات جذرية، مثل جواشيم مايسنر رئيس أساقفة كولونيا الأسبق، وروجيه ماهوناي رئيس أساقفة لوس أنجليس، وفرانسيس جورج رئيس أساقفة شيكاغو، وأنطونيو ماريا روكو فاريلا رئيس أساقفة مدريد.
ففي تشخيص أعراض الأزمة التي تعرفها الكنيسة، ثمة رأي شائع يرتئي أن كوكبة رجال الدين الإيطاليين، ولا سيما أعضاء “المؤتمر الأسقفي”، يتحمّلون الوزر الأكبر في ما آلت إليه الأمور، جراء المحسوبية والمحاباة واستشراء البيروقراطية، وأن أي تحوير فعلي سوف ينعكس على “الكوريا رومانا”، عصب السلطة في حاضرة الفاتيكان الخاضع للهيمنة الإيطالية. وبالفعل مع البابا الحالي تم الشروع في ذلك التمشي بإبعاد عدد من الخبراء والمستشارين الماليين الإيطاليين وتعويضهم بآخرين من خارج إيطاليا، ينتمون إلى دائرة العلمانيين من الأوروبيين والأميركان تعضدهم مؤسسات استشارية دولية. هذا التحوير الجريء يعوّل فيه البابا فرانسيس على “مجلس الحكماء” حديث الإنشاء، والمتكون من ثمانية كرادلة يتولون تشخيص الأدواء التي ترهق الكنيسة.
في المحور الثاني من الكتاب والمعنون بـ”المالية والكرسي الرسولي في زمن العولمة” يتطرّق الكاتب إلى تأخر اندماج حاضرة الفاتيكان في سياق التحديث المالي بفعل الطابع المتحفظ والسري الذي يميز معاملاته.
لكن أمام مخاطر العزلة اقتضت الأوضاع التلاؤم مع ضوابط المالية العالمية الهادفة إلى مقاومة غسل الأموال والتصدي للإرهاب، وجرى فتح جملة من الملفات التي تربط الفاتيكان ببعض الدول والبنوك في مختلف أنحاء العالم بقصد وضع حدّ للمعاملات القذرة، لا سيما أن الفاتيكان أوشك على أن يقع رهن عزلة مالية سنة 2012. لكن يبقى إصلاح “الإيور” المعروف في إيطاليا ببنك الفاتيكان، وهو الجهاز الاقتصادي الناشئ سنة 1942 بقصد إيجاد سند لدولة الفاتيكان الفتية، والعنصر الجوهري في إعادة الهيكلة المالية.
إذ لم يحل حولٌ على اعتلاء برغوليو كرسي البابوية حتى سارع بإنشاء سكرتارية للشؤون الاقتصادية، تتولى مراقبة ميزانية كل القطاعات الإنتاجية التابعة للكنيسة سميت “هيئة الاستعلامات المالية” (Aif). وهي عبارة عن جهاز رقابي مالي يعمل على شاكلة البنوك المركزية للحيلولة دون غسيل الأموال ولدرء الحصار المالي الذي يتهدد حاضرة الفاتيكان، لا سيما أن هناك تهما بوجود معاملات مشبوهة وأن الفاتيكان بات ملاذا لتدوير أموال متأتية بطرق غير شرعية، وقد أنشئت تلك الهيئة في أعقاب سحب البنك المركزي الإيطالي ثقته من الكرسي الرسولي وما خلّفه ذلك من تبعات متعلقة بالسيولة، ولذلك يذهب الكاتب في تفسير استقالة راتسينغر المفاجئة في 11 فبراير 2013 لارتباطها الوثيق بتداعيات أزمة الثقة.
كان توتر علاقة البنك المركزي الإيطالي بمؤسسة “الإيور” الراعية للأنشطة الاقتصادية حادثا جراء تدني شفافية المعاملات المالية، الأمر الذي دفع إلى تعطيل بطاقات الائتمان داخل دويلة الفاتيكان كإنذار أوّلي. وهو ما ترتّبت عليه حالة من الاختناق الاقتصادي، إذ يكفي أن نتصوّر طوابير زوار متاحف الفاتيكان، التي تُقدّر سنويا بخمسة ملايين زائر، والملزمة بالدفع نقدا؛ فضلا عن تعطل الخدمات المالية في المؤسسات الأخرى كافة، مثل البريد والصيدليات ومحطات البنزين والمغازات.
وهو ما استجابت له مؤسسات الإقراض الإيطالية بإيحاء من البنك المركزي، للتعامل مع مؤسسة “الإيور” كمصرف أجنبي. والجلي أن تراجع الثقة المالية في الكنيسة قد بدأ منذ مارس 2012 حين أدرج مكتب الدولة الأميركي الفاتيكان ضمن قائمة الدول التي تشهد عمليات تبييض أموال.
في محور مكثف بعنوان “تعداد أموال الفاتيكان مهمّة مستحيلة” يتساءل فرانشيسكو بيلوزو عن موارد ثروة الفاتيكان، ويعود بالأمر إلى فترة توحيد إيطاليا 1871، حين لم تجد الحكومة الإيطالية سبيلا لتطبيع علاقتها مع الكنيسة سوى بإبرام معاهدة لاتيران سنة 1929 التي وقعها من الجانب الإيطالي موسوليني “رجل العناية الإلهية” كما أسماه البابا، وهو ما حاز بموجبه الفاتيكان جملة من القصور التاريخية المتناثرة في روما وأحوازها، إضافة إلى هِبة مقدارها 1750 مليون ليرة ناهيك عن عائدات ضريبية تُخصم مباشرة من الدخل الفردي لعموم الإيطاليين، لا تزال سارية إلى اليوم تُعرف بـ”ضريبة ثمانية بالألف”، وهي الضريبة نفسها التي أُقرّت في ألمانيا، والمسماة الـ”كيرشينستاور” والعائدة إلى اتفاق مبرم بين هتلر والفاتيكان سنة 1933، جرت دسترتها لاحقا في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
انتهى قسط من تلك الثروة التي حصل عليها الفاتيكان في مؤسسة “بروفيما” المالية السويسرية واستُثمر القسط الآخر في الصناعة الحربية الأميركية بغرض مجابهة هتلر. ومنذ تلك اللحظة شرع الفاتيكان في دمج ثروته في الاستثمار الدولي عبر المشاركة بالأسهم والمضاربة.
جعلت تلك الثروة الطائلة من الكنيسة صاحبة أكبر ملكية عقارية، ففي روما وأحوازها يبقى خُمس المحال ملكا لمؤسسات دينية، حيث نجد 23 ألف عقار ومساحة ترابية تابعة لها. وقد بات في الوقت الحالي من الصعب ضبط عدد الأملاك بشكل حصري.
ففي إيطاليا وحدها بلغت العقارات المملوكة للكنيسة، خلال العام 2003، 115 ألف عقار. ويحصي بيلوزو في القطاع التعليمي 8784 مدرسة، منها 6228 مدرسة أمومة، و1280 ابتدائية، و1136 ثانوية، و135 مؤسسة جامعية وشبه جامعية، وخمس جامعات كبرى، وأكثر من 2300 متحف ومكتبة.
إضافة إلى 4712 مركز رعاية طبية، تنقسم إلى 1853 مستشفى وبيت للرعاية الصحية، وعشرة مستشفيات كبرى، و111 من المستشافيات المتوسطة الحجم، و1669 مركزا للرعاية الأسرية، و534 مستشفى عائليا، و399 روضة أطفال، و136 نقطة مراقبة صحية و111 مستشفى متوسط الحجم، و674 من الأصناف الأخرى.
ومن جانب آخر تملك كنيسة روما 118 مقرا أسقفيا، و12314 أبرشية، و360 بيتا مخصصا للجماعات الدينية وألف دير، و504 من المبيتات يأوي إليها طلاب الدراسات اللاهوتية.
وامتدت العقارات التابعة للكنيسة إلى أنحاء عدة في العالم فعلى سبيل المثال محلات “بولغاري” ومحلات المصوغ في “نيوبوند ستريت” في لندن موصولة بأملاك البابا، وكذلك المقر المحاذي لبنك “ألتيوم كابيتال” الواقع عند منعطف شارع “جايمس سكواير” و”بال مال”. ففي هذا الحي الراقي في عاصمة الضباب تتركز سلسلة من العقارات التجارية تشرف عليها مؤسسة “بريتش غرولوكس” العالمية لفائدة الفاتيكان.
أهّلت تلك الثروةُ الكنيسةَ، وهو ما يورد فرانشيسكو بيلوزو نماذج منه، لتكون رائدة في مجال الاستثمار السياحي والعقاري والصحي والتعليمي، حتى أن “إيكونوميست” البريطانية قدّرت أن كنيسة روما بوسعها زعزعة الاقتصاد الإيطالي في حال انسحابها من السوق المالية. إذ تحقق السياحة الدينية وحدها مداخيل قدرها خمسة مليارات يورو سنويا، بعدد نزلاء يبلغ أربعين مليونا.
وفي كل أرجاء التراب الإيطالي يسهر رهبان وراهبات على تسيير 250 ألف سرير لا تغطي الطلبات المتزايدة، ما دفع إلى تحويل العديد من الأديرة فنادق وشققا للايجار.
في المحور الأخير المعنون بــ”مقاومة غسل الأموال والمال القذر” يستعرض المؤلف لحظات قلقة من تاريخ حاضرة الفاتيكان والمال، حيث يعيد تقليب صفحات التاريخ فيعود بنا إلى سنوات إفلاس بنك “أمبروزيانو” الكاثوليكي 1982 المتورط في العديد من المعاملات المالية غير القانونية، وهو بنك خاص شديد الارتباط بالفاتيكان ومرتهن إلى مؤسسة “الإيور”، عُثر على مديره روبارتو كالفي مشنوقا في لندن، باتت تلك الأحداث تشكل جانبا من التاريخ المالي القذر للفاتيكان. فقد ادت معاملات البنك المالية دورا بارزا في مساندة حركة سوليدارنوسك البولونية وعموم المنظمات التي تقف في وجه الشيوعية، فضلا عن دعمه المالي في أميركا اللاتينية سواء للأنظمة السلطوية التي وقفت في وجه المعارضة اليسارية أو لمقاومة التنظيمات الثورية.
في هذه الأثناء يتساءل فرانشيسكو بيلوزو عن العلاقة الرابطة بين رسالة المسيح ومؤسسة مالية على غرار “الإيور” قادرة على المناورة في الأسواق العالمية وعلى التأثير على الخيارات السياسية للدول.
من جانب آخر يستعرض المؤلف ما تتعرض له الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة من نزيف اقتصادي منذ تفجر فضائح الاعتداءات الجنسية على القاصرين من رجال الدين، الأمر الذي أجبر عددا من الأبرشيات على إعلان إفلاسها لتفادي تسليط غرامات مالية. ووفق ما يورد بيلوزو نقلا عن تقرير “ميثاق حماية الطفولة والناشئة” الصادر عن المؤتمر الأسقفي الأميركي في أبريل 2014، فقد دفعت الكنيسة أكثر من مليارين وسبعمئة مليون دولار من العام 2004 إلى العام 2013 تعويضات للمتضررين. وبلغت تفاعلات الاعتداءات على القاصرين حد قطع الحكومة الإرلندية علاقاتها الديبلوماسية مع حاضرة الفاتيكان.
يتساءل المؤلف في آخر كتابه قائلا إن البابا الحالي الآتي من جنوب العالم يبدو حريصا على إيلاء المسائل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية اهتماما في رسائله البابوية وفي عظاته، فضلا عن انتقاداته المبطنة والعلنية للنظام العالمي عبر ما سماه “عولمة اللامبالاة”، فهل هي صحوة الكنيسة واحتواء لذلك الشعار الذي طالما رفعه لاهوت التحرر في أميركا اللاتينية “أولوية خيار موالاة الفقراء” وإعلان عن انتهاء التحالف بين الكنيسة والرأسمالية؟
تبقى الميزة المهمة لكتاب “مصرف البابا” في توخي مؤلفه الأسلوب التوثيقي عند التطرق إلى المسائل المالية في حاضرة الفاتيكان بعيدا عن أي اتهام أو تهويل، لكن رغم أهمية مضمون الكتاب فإن الطابع الصحافي الذي توخاه المؤلف، حال دون إثقال الكتاب بالهوامش والإحالات، وهو أمر ضروري في بعض الأحيان، ولعل ذلك بهدف جعل الكتاب يسير القراءة على المختص وغير المختص.
$استاذ في جامعة روما