ارتدادات “كورونا” خليجيا… تقشف وأزمة غذائية وضرائب على الدخل دراسة أكدت أن كلفة الإنقاذ الاقتصادي والاجتماعي ستكون باهظة والكويت أسرع المتعافين

0 259

* العملات الخليجية عرضة للتضخم إذا استمر الإغلاق والحظر إلى نهاية العام
* تأخر إنجاز المشاريع والخطط التنموية بسبب التقشف …واندماجات في القطاعين
* تراجع تقييم الاستثمارات والأصول الخارجية الخليجية والمضي في الخصخصة
* حياة الرفاه في “الخليجي” ستتغير إلى الأبد تدريجياً لكن دوله الأفضل عربيا

أكدت دراسة أجراها مركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والستراتيجية أن دول ” الخليجي” ستواجه تحديات غير مسبوقة وتغيرات جوهرية على المدى المتوسط ستلقي بظلالها على مستوى الرفاه مستقبلا وإن بنسب متفاوتة بسبب التداعيات الكبيرة التي خلفتها أزمة “كورونا”، مشيرة إلى أن الجائحة “ستؤثرعلى الخطط التنموية الكبرى وإنجاز المشاريع وذوي الدخل المدفوع الأمر الذي سيدفع إلى التقشف، وفرض الضرائب،ووقف الامتيازات فيما ستكون الكويت أسرع المتعافين”.
وأشارت الدراسة إلى أن دول “الخليجي” ستتكبد ” خسائر ليست هينة جراء الوباء مع كلفة انقاذ اقتصادي واجتماعي باهظة، الا أن استفادتها المستقبلية قد تكون أكبر لجهة زيادة التنافس لتحقيق اكتفاء ذاتي وتقليص التبعية للخارج وترشيد استهلاك الموارد، وإصلاح الاختلالات على مستوى التركيبة السكانية، والتعويل على الطاقات المحلية بدل الأجنبية وتمكين الشباب، وتنويع مصادر الثروة، لافتة إلى أن “ثمة جوانب قوة في اقتصادات دول “الخليجي” ستمكنها من مواجهة الأزمات، أبرزها الاستقرار السياسي، والملاءة المالية، وفيما يلي التفاصيل:

ورأت الدراسة أن “حياة الرفاه المتوقعة في دول “الخليجي” ستتغير الى الأبد تدريجياً، الا أن الخليجيين قد لا يواجهون تقشفاً موجعاً كما هو متوقع في دول أخرى، وقد يعتبرون أكثر حظاً من غيرهم في العالم العربي في تجاوز الصدمة التي سيخلفها الوباء”.
أضافت على الأرجح ستؤثر مسارات ادارة الأزمات المترتبة على الجائحة في المرحلة المقبلة على ثقافة المواطن الخليجي وعلاقته بالعمل والاستهلاك، لكن تبقى هناك نظرة مقلقة حول مدى تأثر أصحاب الدخل المحدود والفئات المجتمعية الضعيفة بسياسات التقشف المستقبلية التي قد تقلص من فرص دخل الأفراد والأسر، لكن تبقى هناك نظرة متفائلة حول استمرار سياسات الدعم التي من شأنها دعم القدرة الشرائية للمواطن الخليجي.
ورجحت الدراسة أن يقبل الخليجيون على مرحلة قد تشهد تدريجياً تغير مفاهيم كثيرة وفي مقدمتها تعريف المواطنة ليصبح أكثر براغماتية ومرتبط بمدى التزام الفرد بالأداء والمردودية والمشاركة الفاعلة في التنمية والبناء بدل المفهوم المرتبط بمدى الاستفادة من الامتيازات داخل اقتصادات ريعية قد تشهد تحولات كبرى على المديين المتوسط والبعيد.

الخطط التنموية والتقشف
وكشفت الدراسة أن الخطط والرؤى التنموية الخليجية قد يتأثر جزء من برامجها أو مشاريعها لجهة تقليص الانفاق، وتأخر مواعيد تسليم بعض المشاريع ما قد ينعكس على تأخر محتمل ومتباين في استكمال تنفيذ الرؤى التنموية الكبرى في حال استمر النفط مستقراً عند متوسط أقل من 50 دولاراً لسنوات مقبلة، الأمر الذي سينعكس حتماً على تراجع الفوائض المالية.
وذكرت أن المقاربات التقليدية للاقتصاد الخليجي قد تتغير،” فعلى عكس ما قامت به دوله من إجراءات لامتصاص ارتدادات الأزمة المالية العالمية في2008، قد لا تملك قدرة المناورة على المدى المتوسط في التعامل مع التداعيات الاقتصادية المترتبة على الوباء.
وتابعت، لم تترك المقاربات التقليدية لمسارات التنويع الاقتصادي لدول الخليج العربية إلا القليل من القدرة على المناورة والاستجابة طويلة الأمد لاستيعاب الصدمات لمواجهة التحديات الاقتصادية الملحة في عام 2020 والسنوات الخمس المقبلة، ولكن يمكن في المقابل للحكومات اتخاذ خطوات حاسمة لجعل اقتصاداتها أكثر مرونة في المستقبل.
وأشارت إلى أن عاصفة “كورونا”، ستتضح آثارها والأضرار التي تكبدتها الاقتصادات العربية والخليجية فيما بعد، حيث إن أغلب الدول لاتزال تحت واقع الصدمة ولم تصل بعد لمرحلة استيعاب التداعيات، وقد تكون دول “الخليجي” الأكثر حظاً عربياً وإقليمياً في استشراف خطط انقاذ ممكنة للحفاظ على حياة رفاه مع تحمّل تكلفة باهظة مقابل تقشف واصلاحات غير موجعة مقارنة بالدول العربية الأخرى.
وأوضحت أن تداعيات الوباء قد تسرع اجراء إصلاحات كانت الحكومات الخليجية تتردد في تنفيذها أو هي مؤجلة منذ سنوات طويلة وذلك خشية رفض شعبي لها، الا أن الإصلاح بات ضرورة قد تضطر الحكومات بموجبه لتسريع تنفيذ خطط أهمها تنويع الإيرادات وترشيدها وزيادة تطبيق الحوكمة وهيكلة اقتصاداتها الوطنية وتقليص التعويل على اليد العاملة الأجنبية.
وبينت أن الوباء كشف نقاط ضعف في دول “الخليجي” تمثلت في مدى هشاشة اقتصاداتها وسرعة انكشافها على الأزمات العالمية نظرا لتبعيتها المفرطة لحركة الأسواق الخارجية واعتمادها بشكل متفاوت على مصدر وحيد للثروة وهو النفط والغاز، ثانياً محدودية تنوع إيراداتها، وثالثاً قلة التعويل على رأس المال البشري الوطني، رابعاً محدودية التعاون المشترك بين دول الخليج وعجزها عن تحقيق اكتفاء ذاتي بينها خاصة على مستوى الأمن الغذائي والوظيفي والصحي.

الثروات السيادية
ورجحت الدراسة أن يكون العائد على الاستثمارات والأصول الخارجية خاصة ذات المخاطر العالية لدول مجلس التعاون متذبذباً في المرحلة المقبلة، لافتة إلى أن تقديرات قيمة أصول صناديق الثروة السيادية الخليجية هذا العام تراجعت بشكل حاد مقارنة بعام 2019، لافتة إلى أن صناديق الامارات الى (1.096 تريليون دولار)[3] والكويت (533.6 مليار دولار) والسعودية (320 مليار دولار)، وقطر (295 مليار دولار)، وعمان (18.6 مليار دولار)، والبحرين (16.7 مليار دولار).
وأشارت إلى أن تلك الصناديق تكبّدت خسائر كبيرة بسبب تداعيات الوباء الكارثية على الاقتصاد العالمي، حيث انخفضت أسهم غالبية الشركات الكبرى في جميع بورصات العالم، وبحسب تقرير لرويترز أواخر مارس، خسرت صناديق الثروة السيادية الخليجية نحو 300 مليار دولار، محذرة من” خطر احتمال استنفاد الفوائض والثروات المالية في المنطقة في غضون 15 عاماً المقبلة، وهذا الخطر يدفع الى ضمان الاستدامة المالية في السنوات المقبلة، حيث ان إمكانية تأثرها سلبا قد يهدد أجيال المستقبل.
وتابعت الدراسة القول إن “الصدمة المزدوجة التي خلفها وباء فيروس كورونا المستجد على دول الخليج بدخولها في أزمة صحية واقتصادية غير مسبوقة يضاف اليها هبوط أسعار النفط، من شأنها أن تعطل وتيرة مسار الجهود المبذولة لتنويع الاقتصادات الخليجية” حيث قد يتطلب ذلك تخصيص موارد إضافية على حساب احتياطاتها المالية، في حين قد يكون الخيار الوقتي يتمثل في تأجيل انجاز عدد من المشاريع الكبرى.
وأوضحت أنه في الوقت الذي طفت على السطح الحاجة إلى زيادة الإنفاق الحكومي لتعويض التأثير السلبي للجائحة تبرز مخاطر تآكل الاحتياطيات المالية وزيادة تراكمات العجز في السنوات المقبلة، حيث باتت دول الخليج مطالبة بزيادة تنويع مواردها لانخفاض أسعار النفط.

استيعاب الصدمة
كشفت الدراسة أنه على الرغم من تفاوت استعدادات دول الخليجي لاستيعاب أزمات مستقبلية، الا أنها قد تكون في وضعية أفضل من باقي الدول العربية وغيرها من الدول محدودة الايرادات وخاصة على مستوى القدرة على تحمل التداعيات وتمويل العجز المترتب عن الركود الذي سيخلفه الوباء، لكن إذا كانت قدرة دول الخليج وملاءتها الملاية تمكنها من تحمل صدمة ارتدادات الركود الا أن احتياطاتها المالية قد تتآكل سريعاً إذا تعمّقت الأزمة في الخليج في ظل الاختلالات الحالية.
وتابعت، أبدى صناع السياسة الخليجيون استعدادا لتبعات انخفاض أسعار النفط إلى ما دون الـ 30 دولارًا للبرميل وارتفاع حالات الاصابة بالفيروس ومع ذلك، فإن بنية اقتصادات دول “الخليجي”ومسار التنمية الاقتصادية في المنطقة ستعمل على تعقيد جهود الحكومات في العودة إلى وضع ما قبل هذه الأزمات المتداخلة وغير المسبوقة.
واعتبرت أن عملية التنويع الاقتصادي لا تزال مستمرة ومكلفة في دول الخليج، اذ تعتمد الصناعات غير النفطية ذات الأولوية العالية والمخصصة لجهود التنوع بشكل كبير على تدفق البضائع والمستثمرين والزوار الأجانب، وهو ما قد يجعل اقتصادات دول الخليج غير النفية مرتبطة أكثر باتجاهات وتقلبات الأسواق العالمية، ويبدو أنه حتى القطاعات غير النفطية في دول الخليج حالها كحال صناعة البترول، حيث شهدت صدمات مفاجئة، ويبدو أنها ستواجه عاماً صعباً خلال 2020.
ولفتت إلى أن دول “الخليجي” تمتلك احتياطيات مهمة من العملات الأجنبية الضخمة ونسب منخفضة من الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي وهي عوامل من شأنها أن تسمح لها بخروج آمن من المشاكل التي ستخلقها تداعيات الوباء قريبة ومتوسطة الأمد.

أزمة أمن غذائي
وأشارت الدراسة إلى أن الارتفاع الكبير في عدد سكان دول الخليج قد يزيد من مخاطر استنزاف موارد هذه الدول الطبيعية خاصة المياه والغذاء، وبالتالي بات من الضروري إعادة الحكومات الخليجية النظر في تركيبتها السكانية التي تفاقمت أكثر من الحد الذي تحتمله موارد هذه المنطقة، الى ذلك فقد يكون هناك خطر حقيقي متنام قد يواجهه أجيال المستقبل في المنطقة يتمثل في شح الموارد ومواجهة أزمة أمن غذائي ومائي وصحي.
وأوضحت أن الزحف السكاني في دول ” التعاون” وبخاصة في الدول الصغيرة يمثل خطرا داهما يهدد المساحات الخضراء الصالحة للزراعة، كما يستنزف أيضاً مصادر المياه، أما على مستوى قطاع الزراعة في دول الخليج فهذا القطاع قد يشهد إصلاحات واستثمارات وتسهيلات ائتمانية أكبر في المستقبل على مستوى استصلاح الأراضي وتعزيز الموارد المائية، حيث ثبتت مخاطر سواء على الأمن الغذائي الخليجي أو على نسبة الاكتفاء الذاتي من المنتجات الأساسية، وهو ما سيدفع الى زيادة التشجيع على تحفيز الإنتاج الغذائي وشبه الغذائي والزراعي وبخاصة في السعودية وعمان والامارات والكويت.
وأكدت أن دول الخليج ستحتاج إلى التركيز بشكل مكثف أكثر على الحفاظ على إمداداتها الشحيحة من المياه، حيث أن تزايد عدد السكان والاستخدام المهدر للمياه يؤدي إلى زيادة الضغط على الإمدادات،مشيرة إلى أن اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي ستظل مستهلكة بشكل كبير للطاقة.
ولفتت إلى أن اعتماد دول مجلس التعاون الخليجي على المواد الغذائية المستوردة قد يرتفع مستقبلا ما يستدعي أساليب جديدة لتوفير الأمن الغذائي، ففي حين تركز اللستراتيجية الحالية في هذا المجال على شراء الأراضي الزراعية في الخارج أو تأجيرها على المدى الطويل، ولا سيما في أفريقيا، الا أن نسبة المخاطرة في مثل هذا التوجه عالية، وقد يكون الحل الأفضل في اقامة شراكات بين البلدان المنتجة والمستوردة للغذاءعلى أساس ربحية مشتركة..

القطاعان المالي والسياحي
أظهرت الدراسة أن قطاعات الطيران والخدمات السياحية والفندقية ووكالات السفر في “الخليجي” ستواجه بطء وتيرة تعافيها من تداعيات انتشار فيروس كورونا، الا أن ذلك لا ينفي احتمالات فرص واعدة العام المقبل لعودة حركة السفر والسياحة بوتيرة سريعة، وخاصة سياحة الأعمال والسياحة الدينية.
أما القطاع المالي فيتمتع بمتانة وملاءة مالية كبيرة وخبرة في التعامل مع الأزمة ومع استمرار اعتماد الاقتصادات في المنطقة بشكل كبير على عائدات النفط، سيضطر القطاع المصرفي الخليجي إلى إدارة التحديات الاقتصادية المزدوجة للوباء وانهيار أسعار النفط، ومن المتوقع أن تنخفض الأرباح المصرفية في المنطقة بشكل كبير هذا العام، مما يثير تساؤلات حول استراتيجيات الاستثمار ونماذج التشغيل لبعض المؤسسات.
وأضافت، ثمة قلق حول احتمال تضخم قيمة بعض العملات الخليجية إذا استمر الاغلاق الى نهاية العام مدفوعاً بالخوف من تجدد موجة الوباء في الخريف أو الشتاء المقبل في ظل عدم اكتشاف مصل نهائي وفعّال لفيروس كورونا المستجد، وقد يُبرر تضخم العملات بتقلص تدفق العملة الصعبة جراء تراجع الصادرات الخليجية خاصة النفطية في مقابل زيادة حاجتها للواردات فضلاً عن تراجع مردود الاستثمار الأجنبي.

اندماجات متوقعة
وأكدت الدراسة أن هناك موجة من تسريح الموظفين أو تغيير لقيادات بعض المؤسسات بدأت تلوح في الأفق في أسواق العالم بما فيها أسواق الخليج نظرا لتبعات الركود الذي خلفته الجائحة التي أصابت قطاعاً واسعاً من الشركات الحكومية والخاصة بشلل جزئي أو شامل.

ولتفادي مصير التعثر أو الإفلاس، قد تزيد نسبة الضغوط على صانعي القرار والمديرين والقياديين في المؤسسات لإدارة الأزمة، ومن المرجح ضمن الشركات الكبرى والمتوسطة أن يزيد التدقيق على جودة الإدارة وكفاءة القياديين، ومن لم يستطع بينهم تقديم إضافة ملموسة في انقاذ مؤسسته، فقد يواجهون مصير استبدالهم بقياديين آخرين.

ثقافة العمل والاستهلاك
شددت الدراسة على أن هناك حاجة ملحة لتغيير ثقافة المواطن الخليجي وبخاصة في علاقته مع العمل أو الاستهلاكن اذ بات من المهم ملاحظة تغيرات متسارعة أكثر من أي وقت مضى وبخاصة فيما يتعلق بزيادة اختلالات التوازنات الستراتيجية للتنمية في الدول التي تسعى بدورها الى أن تصبح في مراحل مستقبلية مراكز إقليمية تجارية ومالية تمثل بديلاً ستراتيجياً بعيد المدى يعوضها الاعتماد المفرط على منظومة اقتصاديات النفط، الأمر الذي يجعل تغير نموذج الاقتصادات الخليجية بات خياراً اضطرارياً لمواكبة التغيرات المستقبلية المتسارعة، وهو ما سيُحدث بشكل مباشر وغير مباشر وتدريجياً.
وأشارت إلى أن الحكومات قد تبادر بتدابير إصلاحية على غرار فرض رسوم أو المضي في تخصيص مؤسسات حكومية لتقليص دور الدولة في الاقتصاد، وتقنين عملية التوظيف والترقيات والامتيازات، وهو ما قد يجد معارضة شعبية ورفض من المنظمات والنقابات العمالية، ومثل هذا الرفض الذي قد يظهر في بعض الدول الخليجية قد يربك عمل الحكومات المقبلة إذا بادرت بالإصلاحات التي قد تصطدم خاصة في دول مثل الكويت بحراك اجتماعي ونقابي قوي في حال تمسكت الحكومة بالمضي في الخصخصة وتقليص الامتيازات أو فرض حزم ضريبية أكبر وذلك استجابة للضرورة التي تحتمها المرحلة المقبلة.
وكشفت الدراسة أن الضريبة على الدخل قد تكون خياراً اضطرارياً لحكومات الخليجن الا أن زيادة التقشف وتوسيع دائرة الضريبة والرسوم على السلع وصولاً الى خيار الضريبة على الدخل، قد ينتج في المقابل مخاطر تفاعلات اجتماعية وسياسية متفاوتة، لكن قد لا تجد الحكومات بُداً في المضي قدماً في مسار تطبيق مثل هذا الاجراء التقشفي تدريجياً
وقد يترتب عن تقلص إيرادات الحكومات الخليجية جراء الركود تقشف متفاوت في منح امتيازات اجتماعية أو وظيفية للموطنين كالترقيات والبدلات على المديين القريب والمتوسط.
وأشارت إلى أن الحاجة الملحة لهذه الإصلاحات لزيادة تعبئة موارد الدولة قد تتفاوت حسب حالة العجز التي تعاني منها كل دولة خليجية وحسب نمو اقتصادها غير النفطي والتعداد السكاني، حيث قد تكون بعض الدول الخليجية مضطرة للوصول الى تطبيق ضريبة على الدخل وزيادة الرسوم على الخدمات المقدمة للمواطن على المديين المتوسط والبعيد.
وبينت أن التقشف الذي تدرسه الحكومات الخليجية في مرحلة ما بعد الوباء قد يكون المضي أكثر في تقنين الامتيازات المقدمة للأفراد أو للهيئات وخاصة بند البدلات والمكافآت وامتيازات مجانية أخرى وإمكانية ربطها مستقبلاً بشروط واسنادها لمستحقيها حسب منظومة كل دولة ونسبة العجز فيها ونسبة التضخم في الانفاق والهدر، وسينعكس تقليص الانفاق غير الضروري وتأجيل بعض المشاريع سلباً على شركات الاستثمار وبالتالي ستكون له ارتدادات سلبية على سوق العمل واحتمال تقلص الطلب على التوظيف.
والمحت إلى أن زيادة الرسوم والضرائب على بعض الخدمات والقطاعات والسلع عاملاً منفراً لجزء من العمالة الوافدة خاصة الهامشية وغير المتخصصة ودافعاً لمغادرة بعضها أسواق العمل الخليجية طواعية بدافع عدم تحمل زيادة تكلفة العيش مستقبلاً، وهو ما قد يساعد على انتقاء العمالة وتقليص الجزء الهامشي والذي لا يحمل قيمة مضافة منها.
تقشف خليجي
وفق دراسة معالم توجهات الحكومات الخليجية لإدارة أزمة تداعيات الجائحة، يتضح،وان كان بشكل متباين بين دول الخليج، مسار مشترك لدعم الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل من المواطنين، وذلك باستمرار سياسات الدعم الحكومي لأسعار الخدمات والسلع الاستهلاكية الأساسية التي تساعد على استقرار الأسعار ومنع انهيار القدرة الشرائية لمختلف الشرائح الاجتماعية وخاصة أصحاب الدخل المحدود، وتعتبر الدول الخليجية من أكثر دول العالم سخاء في مختلف خدمات الدعم والمساعدات المقدمة للمواطنين، وهو ما يجعل الخليجيين بعيدين على المدى المتوسط من شبح الوقوع في دائرة الفقر المدقع مقارنة بنظرائهم في بعض الدول العربية لكن هذا لا يمنع من وجود تحديات مقلقة كزيادة اقتراب نسبة من سكان الخليج من دائرة الفقر وخاصة من فئة محدودي الدخل.
ذكرت الدراسة أن من أهم من أهم مميزات ثروات دول الخليج ثروتها الطاقية وملاءتها المالية وقبل كل شيء ثروتها البشرية التي تزخر بنسبة كبيرة من الشباب المتعلمن ويمثل الشباب الرهان الوحيد والدرع الواقي من الصدمات المستقبلية التي قد تواجهها الحكومات الخليجية. وبذلك باتت أولوية الحكومات قد تنحاز أكثر الى زيادة الاستثمار في التنمية البشرية وتعزيز قدراتها وتأهيلها لقيادة مرحلة التحول الكبرى نحو اقتصادات أقل تبعية للنفط ، كما أن تداعيات الوباء التي ستقلص من الإيرادات والموارد ستدفع حتماً الى البحث عن حلول جديدة وقد تكون أغلبها ترمي لتشجيع الاقتصاد الرقمي والخدمات عن بعد.

تقلص الاعتماد على النفط
ورأت الدراسة أن الجائحة، تسببت بتحدٍّ مزدوج لدول مجلس التعاون الخليجي. فعلى غرار البلدان الأخرى، تمحورت أولويات دول الخليج حول التعامل على المدى القريب مع تداعيات الجائحة على الصحّة العامة والاقتصاد، لكن تبرز أيضاً الحاجة لتعاملها مع التحديات طويلة الأمد التي تسبّب بها الانخفاض الحاد للعائدات من النفط والغاز الطبيعي التي يعتمد عليها اقتصاد هذه الدول.
أشارت الدراسة إلى أنه من المحتمل أن تبقى دول الخليج منكشفة أكثر على الأسواق الخارجية وقد تزيد تبعيتها أكبر في مجالات أهمها الأمن الغذائي والمائي والاقتصادي المهدد أكثر مستقبلاً،لافتة إلى هذه التبعية قد تتعمق إذا بقيت الاختلالات كما عليها، حيث أن زيادة نسبة سكان دول الخليج قد تزيد في العقد المقبل ضغوطاً كبيرة على زيادة التوريد الاستهلاكي.
وأوضحت ارتباط الأمن الاقتصادي والغذائي والصحي بالخارج، وارتباط جودة التعليم بالخارج، ونقص البنى التحتية الصحية الكافية، لافتة إلى أن مثل هذه القضايا قديمة في طرحها لكن التوصل لحلول لها اليوم أصبح ضرورياً اليوم أكثر من أي وقت مضى، حيث بات على دول الخليج الانتقال من مرحلة التخطيط الى التنفيذ الجدي لبرامج تعزيز الاكتفاء الذاتي في قطاعات مختلفة وحسم النقائص والاختلالات..
وأكدت أن حُزم الدعم الاقتصادي السخية والإعفاءات من الرسوم الحكومية لايمكن أن تستمر إلى مالا نهاية، مضيفة، في الواقع،تعمل حكومات دول الخليج العربية على خفض الإنفاق بشكل متزامن فيما بينها، وقد تكون دول الخليج أكثر قلقا إزاء تداعيات الوباء، ويعود ذلك جزئياً إلى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، حيث تعتمد اقتصادات دول الخليج (الكويت وقطر والمملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان) في الغالب على النفط أو الغاز، مما يجعلها تعتمد على العالم الخارجي بشكل كبير.
وذكرت الدراسة عوامل مختلفة تلعب دورًا محورياً في تأثر منطقة الخليج بالوباء على المدى المتوسط أكثر من المناطق الأخرى، وتتمثل هذه العوامل في: أولاً: الاعتماد المفرط على تجارة غير متنوعة وانكشافها على الركود الاقتصادي العالمي، ثانياً: حجم العمال الأجانب في المنطقة واختلالات التركيبة السكانية، ثالثاً: حركة التجارة والاستثمار، وأخيرًا إقامة دول الخليج لأحداث ضخمة على غرار كأس العالم في قطر ومعرض “اكسبو” في الامارات، وعلى الرغم من ذلك فان وتيرة تقدم الأشغال في الانشاءات والمشاريع تواجه بعض التعثرات بسبب اتساع وتيرة انتشار الفيروس.

الكويت أسرع المتعافين
ورجحت أن تكون الكويت بين أوائل دول الخليج والدول العربية التي ستتخطى مرحلة ما بعد “كورونا” بسلام دون الوقوع في بحر من المشاكل التي ستواجهها دول أخرى خاصة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي وعلى مستوى استشراف نوعية وموارد حياة أجيال المستقبل، نظرا لما تملكه من خطط ستراتيجية استباقية لتعزيز الأمن الغذائي والصحي ودعم الاقتصاد الوطني، كما أن الملاءة المالية الكويتية ستتسمح لها باستيعاب الصدمة في ميزانياتها على المدى القصير خلال السنوات المقبلة، لكن ذلك يعتمد على التخطيط الرشيد وحسن الإدارة وسهولة اتخاذ القرار وتقليص البيروقراطية وتخفيف خلل التركيبة السكانية وتخمة سوق العمل باليد العاملة غير الماهرة والهامشية.
وعلى مستوى الحفاظ على قيمة واستقرار العملات اتبعت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، باعتبار عملتيهما مربوطتين بالدولار، قرار بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بخفض أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس، أما الكويت، التي ترتبط عملتها بسلة من العملات، فخفضت أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة
يجدر التحذير من أن سياسة الدعم النقدي السريع وضخ أموال في الاقتصاد أو عبر مسالك دعم الأفراد لتجاوز تداعيات الجائحة ليست كافية لتحفيز النمو اذ من المتوقع أن يؤثر الانخفاض الحاد الأخير في أسعار النفط على الاحتياطيات المالية المستقبلية. حيث سيتحول رصيد الحساب الجاري التراكمي لمصدري النفط التسعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من فائض قدره 64 مليار دولار في عام 2019 إلى عجز قدره 104 مليارات دولار.
وقد يجبر ضعف النمو غير النفطي بعض الاقتصادات الخليجية على زيادة محدودة للإنفاق المالي خاصة على المشاريع والاستثمارات المحلية بسبب انخفاض عائدات المحروقات وارتفاع الدين العام، حيث أن زيادة كبيرة في الإنفاق ستؤدي إلى تفاقم العجز المالي. وعلى الرغم من التقلبات في الأسواق والتكلفة المرتفعة المحتملة للاقتراض، فان دول الخليج قد تلجأ إلى الأسواق الدولية فضلاً عن استخدام احتياطاتها النقدية، وبذلك سيكون التوجه نحو خيار اصدار سندات سيادية مهم جدا في المرحلة المقبلة، ومن المرجح أن تتباطأ تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى دول الخليج وهو ما قد يحفز الحكومات على زيادة تسهيل وتحفيز الاستثمار المحلي الداخلي وتعزيز الثقة في القطاع الخاص.

المصدر: مركز الشرق الأوسط للاستشارات السياسية والاستراتيجية (MenaCC)

You might also like