اسألوا حسني البورزان إذا أردتم أن تعرفوا ماذا يجري في إدلب

0 54

أحمد عبد العزيز الجارالله

منذ أشهر وإدلب السورية الشغل الشاغل للقوى الإقليمية الفاعلة في الملف السوري، ومعها الميليشيات المحلية المرتبطة بها وبطبيعة مشروعها الذي تكشف في السنوات السبع الماضية، وخلالها كانت الاخبار الواردة من معظم المناطق اقرب الى الامال والتمنيات اكثر منها الى الحقيقة.
هكذا بدأت الحرب بوعود يطلقها المنغمسون في الدم السوري عن قرب سقوط النظام، فمرة قالوا في غضون شهرين سيسقط، وفي أخرى رفعوا سقف التوقعات الى ثلاثة، وبعد السنة الاولى من الحرب اصبحت المواعيد بالاشهر والسنوات، وفيما كانوا يتخلون كل مرة عن فريق او ميليشيا يبتدعون اخرى ويقولون انها التي ستحسم الحرب، غير انهم تقهقروا وانسحبوا جميعاً وبقيت القوات السورية النظامية تتوسع في السيطرة.
قيل ان ذلك بفضل المساعدة الايرانية للنظام… صحيح هذا الكلام في جزء منه، لكن لم يسألوا أنفسهم: من الذي دفع النظام الى الحضن الايراني؟
قالوا لاحقا إن الدعم الروسي والمشاركة الروسية في الحرب هي التي قلبت موازين القوى. ايضا هذا صحيح، لكن السؤال الذي يرفضون الاجابة عنه: من الذي مهد الطريق للتدخل الروسي، وهل ما جرى على الاراضي السورية كان لمصلحة سورية وشعبها أم انها “صيدة هربت من الصياد”، كما قال يوما احد الفاعلين في هذه الحرب؟
حاليا يتهم كل من يخرج مطالبا بترك سورية للسوريين بالخيانة، والعمالة والتآمر على الشعب السوري، وثمة مثل شامي يقول: “جاءت الداية (القابلة) احن على المولود من الام”، فمن سيكون احرص على سورية من اهلها وشعبها، هل الذين يقاتلون بالسوريين من اجل تحقيق اهداف لا ناقة للضحايا فيها ولا جمل، ام اولئك الذين دفعوا أمانهم واستقرارهم وحياة احبائهم ثمنا لمغامرات الاخرين على ارضهم؟
بدأت تجربة ما يسمى “الربيع العربي” من تونس،فهرب الحاكم، وسقطت البلاد في الفوضى، وانتقلت الى ليبيا، ورأينا كيف ارتكبت الجرائم ضد الليبيين، وقتل الحاكم شر قتلة، فيما لم تزل الحرب تلد المآسي الى اليوم، ولا نعرف من يحكم ليبيا، فيما “الاخوان” والدواعش ومن لف لفهم يستبيحون الارض والعرض والمقدرات، ولا تلوح بالافق اي امكانية لعودة ليبيا الى ما قبل فبراير 2011، والعراق الى اليوم ما استراح من مفاعيل الثورة، بل دخل نفق الهيمنة الايرانية التي تتوالد كل يوم مآس في جوانب الحياة كافة، ويكاد يتحول صومالا اخرى، مهددا كل دول الجوار.
لا بد من الاعتراف ان في سورية، كان النظام قويا واستطاع مقاومة الهجوم عليه، ولم يهرب الرئيس او يترك بلاده، مستفيدا من تأييد غالبية شعبية، والتزام القوات المسلحة والقوى الامنية بسياسته، ولديه دعم قوى إقليمية ودولية في مواجهة عشرات آلاف المقاتلين الذين تركوا بلدانهم للقتال في سورية ضد السوريين انفسهم، من “القاعدة” و”الاخوان” ولاحقا “داعش” وجيش الاسلام وميليشيا نور الدين زنكي، و”حزب الله” والميليشيات العميلة لايران، فهل كان يتوقع الذين بدأوا الحرب ان يستسلم لهم النظام فورا، ويمتثل لاوامر الخارج فيترك سورية تتحول ليبيا او عراقا اخر؟
لعبة أحجار الدومينو التي بدأت من تونس لم تكن بالسهولة التي يتصورها البعض، لانها لعبة لانهاية لها، ولا يمكن ان تتوقف عند دولة ما، ولهذا عندما حذرنا منذ البداية من تبعاتها الخطرة كنا ننظر الى المستقبل القاتم الواضح لكل ذي بصيرة، وليس لمن تعتمل في نفوسهم الاحقاد فتحجب الرؤية عنهم، واليوم حصحص الحق في إدلب حيث قرعت الطبول منذ اسابيع حول تحذيرات بعض القوى الاقليمية والدولية من انهاء الوجود الميليشياوي فيها، وتمسك كل طرف بموقفه، فالتركي يسعى الى بسط نفوذه كي يمنع تمددا كرديا تصل ناره الى اراضيه، ويحافظ ايضا على مكاسب ذات طبيعة “اخوانية” له في العالم العربي بدءا من سورية، والايراني يعمل للحفاظ على سيطرته في سورية ليبقي على طريق تصل طهران ببيروت مفتوحة، ويعيد تشكيل هوية المنطقة، وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يجب ان يتنبه له الجميع، فالمشروع الايراني ليس مجردا من تبعات ذات طبيعة ايديولوجية لا نزال في العالم العربي نكتوي بنارها، على العكس من روسيا التي تبقي على محيط ستراتيجي لها، لكن ليس قائما على تغيير الهوية الدينية والاجتماعية للشعب السوري.
نعم، التخلص من الوجود الايراني في سورية هو الاساس، وما عدا ذلك فان الشعب السوري، الذي اثبت انه حي وقادر على اجتراح المعجزات واعادة الاعمار، كفيل بترتيب الوضع في بلاده واختيار من يحكمه وشكل النظام الذي يريد. في الازمة السورية خصوصا، وكلما تذكرت ما يسمى “الربيع العربي” حضرت في ذهني اللازمة التي كان يرددها حسني البورزان في مسلسل “صح النوم” وهي “اذا اردنا ان نعرف ماذا في ايطاليا علينا ان نعرف ماذا في البرازيل”، وربما سينتهي المسلسل السوري كما انتهى مسلسل “صح النوم”، وعندها لن تنطبق حسابات اللاعبين الاقليميين وفق امنياتهم وتوقعاتهم، لذلك اذا اردنا ان نعرف ماذا في ادلب علينا ان نعرف ماذا في طهران وانقرة، وان نعرف من هو غوار الطوشة الذي يحرك ابوعنتر وبدري ابو كلبشة؟!

You might also like