استجوابات أم أدوات تعطيل وتصفية حسابات؟

0

ما كادت تنتهي جلسة تجديد الثقة بوزيري النفط و”الشؤون” حتى لوَّح بعض النواب باستجواب جديد لسمو رئيس مجلس الوزراء، وكأن الكويت في مباراة استعراض عضلات نيابية مسرحها مجلس الأمة المفترض أنه سلطة التشريع والرقابة على أعمال الحكومة وليس عرقلتها، أو كأنَّ كل مشكلات الكويت انتهت ولم يتبق للسادة النواب من عمل غير تصفية الحسابات الشخصية مع السلطة التنفيذية، وكسب المزيد من النقاط الشعبوية على حساب الوطن والمواطن.
يتناسى السادة أعضاء مجلس الأمة أن طبول الحرب تقرع في المنطقة، حيث يتهيب الجميع الإقدام على أي خطوة غير مدروسة، وأن أفاعي الإرهاب تتربص بنا، وفحيحها يكاد يسمعه الأصم، كما لا يأخذ السادة أصحاب المقاعد الوثيرة في قاعة عبدالله السالم بعين الاعتبار الجمود الاقتصادي، بل الاهتراء الذي تعيشه البلاد منذ سنوات جرّاء المناكفات اليومية التي يفتعلونها لأسباب محض شخصية، بل يستمرون في ممارسة السياسات البهلوانية، ما يدلُّ على خفة في التعامل مع الأزمات المحلية، ولا يتورَّعون عن الاستثمار فيها لمآرب لا يعلمها إلا الراسخون في الابتزاز السياسي، وتؤكد انفصالهم عن الواقع في ما يتعلق بأحداث المنطقة التي فيها سيتحدد مصائر دول وشعوب، لأنهم منشغلون بفتات توظيفات، أو إفساد ممنهج ونهب من مال عام، لن يبقى إذا ضاعت الكويت.
تمارس وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند الصبيح عملها في ما يتعلق بإحدى الجمعيات المخالفة للقانون، فتثور ثائرة نائب له مصلحة في تلك الجمعية، ويُشهر سيف الاستجواب، بل يكاد يصوِّر الأمر على أنه تعدٍّ على طائفة، ويعجز عن تقديم الأدلة والبراهين لدحض ما قدمته الوزيرة في الاستجواب، فيصطف معه نواب لهم أيضاً مصالحهم في محاربة الوزيرة لأسباب شخصية، وتتعطل الوزارة وينشغل موظفوها بجمع الوثائق والأدلة وإعداد صحيفة الاستجواب، فيما الواجب والدستور يفرضان على سعادة النائب أن يستجوب الوزيرة إذا لم تحاسب الجمعية، وليس العكس.
ويحاسب وزير النفط بخيت الرشيدي الذي لم يمض في الوزارة مئة يوم على أمور في مضمونها شخصية بحتة، منها تعيينات ومشاريع وما خفي نيابياً، ربما أعظم، وتنشغل الوزارة بإعداد مادة الرّد على الاستجواب، وتتعطل المشاريع المرتبطة بالنفط الذي هو عصب الاقتصاد الكويتي، بانتظار جلاء الصورة بعد الاستجواب وطرح الثقة، وكذلك يستجوب سمو رئيس مجلس الوزراء، في جلسة ماراثونية سجّلت الرقم القياسي، وكأنّ الكويت تعيش حالة طوارئ ويتدارس السادة الأعضاء الحلول للخروج من مأزق تاريخي، فيما الحقيقة أن كل محاور الاستجوابات الثلاثة كان يمكن أن تتحول أسئلة تطرح في جلسات عادية على سمو الرئيس والوزراء ويُجيبون عليها، ويتفرغ النواب لمهمتهم الأساسية.
هذه النقيصة التي تعسَّف فيها النواب تحت شعار الحق الدستوري في المساءلة لم يسبق لدولة أن استخدمت فيها بهذا التعسف المقيت إلا الكويت، بل في مرات كانت سبباً في حل المجلس أو إقالة الحكومة، وحتى في ثمانينات القرن الماضي، أدت إلى تعليق العمل بالدستور، وهذا يؤكد أن النواب لم يتعلموا الدرس جيداً خلال ستة عقود من العمل البرلماني، وكانت العقود الثلاثة الماضية الأسوأ فيها بكل المقاييس لجهة الابتزاز النيابي للسلطة التنفيذية.
لهذا، فإن السؤال الذي يشغل الكويتيين اليوم: ماذا استفدنا من هذه الممارسة النيابية العرجاء، المخالفة لكل القيم والاعتبارات، التي لا تُقيم وزناً للمصلحة الوطنية حين تتسيد فيها مصالح من يُفترض أنهم مؤتمنون على الوطن ومصالح شعب منحهم وكالته لإدارة شؤونه، وتطوير الدولة والبُنى التحتية وتسهيل الإجراءات الاقتصادية التي تساعد على توسيع قاعدة الاستثمار، وليس أن يقودوه من مذبحة تعطيل إلى مجزرة ضرب القيم والأخلاق والمفاهيم الديمقراطية؟
كم مجلساً على هذه الشاكلة علينا أن نتحمل؟ انحرافات سياسية وتوظيف للمصالح الخاصة، وابتزاز تسبب في تعميم الفساد في كل مؤسسات الدولة حتى احتلت الكويت المراكز الأخيرة في تراجع مدركات الفساد ما يدعو إلى التساؤل: كم من الوقت نحتاج كي نعتبر ذلك حدثاً جللاً، بل ناقوساً يُقرع لتتحوَّل السلطتان التشريعية والتنفيذية ورشة عمل لإزالة كل الأسباب المؤدية لذلك، لأن البقاء على هذه الحال يعني أننا أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من الدخول في نادي الدول الفاشلة، فيما المؤسف أننا نرى نوابنا يتفاخرون في إشهار حرابهم للإجهاز على ما تبقى من هذه الدولة، فهل آن الأوان كي يكون هناك قرار إنقاذي يخلص الكويت من هذا المرض استناداً إلى أن آخر العلاج الكي؟

أحمد الجارالله

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

18 − أربعة =