استجوابات كيدية تحت الطلب

0 327

حين يكون متوسط استمرار الوزير، في أي وزارة نحو 15 شهراً، وفي بعض الأحيان أقل من ثلاثة أشهر، فذلك يعني بوضوح تعطيل إنتاجية إحدى أبرز مؤسسات الحكم، وإغراقاً في الفوضى، تضاف إليها ممارسات قوى الضغط الاجتماعي لجهة الوساطات والمحسوبيات، ما يعني أننا لسنا في دولة مؤسسات حقيقية، وكل الشعارات، مهما كانت براقة لا تلغي الواقع المزري الذي تعيشه البلاد.
بات واضحاً أن الكويت من أكثر الدول التي تعاني من عدم الاستقرار الوزاري، خصوصا في وزارات الخدمات، ما يجعلها عالة مالية وإدارية على الدولة، لأن الوزير لا يستطيع العمل، والجهاز الإداري في وزارته يعيش ارتباكاً مستمراً بسبب انشغاله بقضايا جانبية، كالرد على الأسئلة البرلمانية التي يحتاج بعضها أحيانا شاحنات لنقل الوثائق المطلوبة، وكلها للأسف ترمى في حاويات القمامة لأن النائب الذي وجه سؤاله كان يهدف إلى مشاكسة الوزير، واستعراض عضلاته الدستورية عليه، لرفضه تمرير معاملة غير قانونية، أو مراعاة لمزاج أحد أتباع النائب، وليس بهدف الإصلاح والمحاسبة.
كل الاستجوابات التي عرضت على مجلس الأمة خلال العقدين الماضيين، كانت غالبيتها كيدية، إلى درجة أن بعض طلبات طرح الثقة وقع قبل الاستجواب والاستماع إلى ردود الوزراء، ما دفع بوزراء كثر إلى صعود المنصة للدفاع عن كراماتهم التي مُست ودفع الإهانات التي وجهت إليهم، من بعدها يقدمون استقالاتهم، ويبتعدون عن العمل السياسي، بل يرفضون تولي أي منصب.
الابتزاز النيابي للوزراء تقابله بلادة تشريعية، إذا أحسنا القول، وتسويف وعدم ممارسة حقيقية لدور النائب، لذلك تتكدس مشاريع القوانين في أدراج المجلس، وتمر عليها سنوات يعلوها الغبار، ولا ينظر إليها، وإذا أقر قانون فيكون إما لخدمة مصالح نيابية، وإما إمعانا في عزل البلاد اقتصاديا وتجاريا، وكأن الكويت دولة مريخية ليست في هذا العالم، ولا ينطبق عليها ما يجري على الدول كافة.
في جديد هذا المسلسل هناك استجواب الوزير خالد الروضان المدرج على جدول أعمال جلسة مجلس الأمة في 19 الجاري، واذا كانت صحيفته قد حشيت بكثير من العناوين الشعاراتية، فإن ما تخفيه الأكمة أبعد مما هو معلن، إذ في أي استجواب، وبعد تجربة على مدى عقدين، بات علينا النظر إلى الأسباب التي تدفع بنائب إلى إعلان الحرب على وزير، ثم نجده فجأة في اليوم التالي يزكيه ويكيل له المديح، بعد أن يلبي طلباته التي غالبيتها غير قانونية.
الوزير الروضان قدم مجموعة أفكار ومشاريع قوانين تنسجم مع ما يطلبه المجتمع الدولي من الكويت لتطوير العلاقات التجارية معها، وكل هذا لم ينظر إليه النواب لأن عينهم على مصالحهم، وليس مصلحة البلاد، وإلا لكانوا أقروا القوانين الموجودة، وراقبوا ونصحوا في البداية، وبعدها ذهبوا إلى الاستجواب إذا لم يتجاوب الوزير، لكنه العبث النيابي لا أكثر.
في كل العالم وزارات الخدمات تكون مستقرة، ويحاسب الوزير أولا بأول على أي تقصير، إلا في الكويت يخترعون قضية وهمية لإهانة الوزراء والمس بكراماتهم، عندما لا يخالفون القانون كما يشتهي النائب، فيما البلاد تمضي في طريق التخلف.

أحمد الجارالله

You might also like