“استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان” حكايات عربية للعبرة والتسلية (20)

0 5

القاهرة – مختار عبد الحميد:

جميع شعوب الارض لهم عادات وتقاليد يتوارثونها جيلاً من بعد جيل، تشكل كيان الامة ووجدانها، وتعتبر كقانون ملزم لكل افرادها، وهكذا نرى ان المجتمع العربي سواء في الجاهلية او بعد الاسلام، دائما كان متمسكا بتقاليده وعاداته التي توارثها، كمحاسن الاخلاق والكرم وغيرها، وحتى يغرس هذه التقاليد ويحافظ عليها كان لابد ان تنتقل من خلال قصص تروى وليس الغرض منها فقط التسلية والترفيه عنا في اوقات الفراغ، انما تقدم لنا نماذج وامثلة تصور هذه العادات وتوضح نبل مقصدها وتدفع الناس الى الاقتداء بهذه الامثلة من الايمان والواجب والحق والتضحية والكرم والشرف والايثار وايضا تقدم الصور السلبية من البخل والطمع وغيرها.. والتي تقدمها من خلال ما ورد من حكايات تزخر بها كتب السيرة وتاريخ الأمم مما نقلوه من الأجداد.

من عوامل نجاح الأعمال وحفظها كتمان سرها ، مما يؤمِّن للإنسان مكاسب كثيرة ما دامت بعيدة عن علم الغير، ولا يتيح للمنافس أو العدو فرصة يظهر بها عليه أو ينال بسببها منه .فإفشاء الأسر يجلب الضغينة، ويتسبب في اضطراب الأحوال، ويمكِّن العدو من النيل منك ، فقد يمتلك الإِنسان ثروة لو عرف الغير سرها لأغرت اللصوص أو أكثرت الحساد عليه.
ويذكر شهاب الدين الأبشيهى في كتابه ” المستطرف في كل فن مستظرف”ما قد ورد عن ذلك أن الله تعالى حكاية عن يعقوب صلوات الله وسلامه عليه في كتابه الكريم فقال: “يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك” (يوسف: 5)، فلما أفشى يوسف عليه السلام رؤياه بمشهد امرأة يعقوب أخبرت إخوته، فحل به ما حل. ومن شواهد الكتاب العزيز في السر قوله تعالى: “فأوحى إلى عبده ما أوحى ” (النجم: 10). وقوله تعالى: “وما هو على الغيب بضنين” (التكوير: 24). أي بمتهم. وفي الحديث: “استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود”.
وقال علي رضي الله عنه وكرم وجهه: ” سرك أسيرك فإذا تكلمت به صرت أسيره، واعلم أن أمناء الأسرار أقل وجوداً من أمناء الأموال، وحفظ الأموال أيسر من كتمان الأسرار، لأن إحراز الأموال منيعة بالأبواب والأفعال، وإحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق ويشيعها كلام سابق. وحمل الأسرار أثقل من حمل الأموال فإن الرجل يستقل بالحمل الثقيل، فيحمله ويمشي به، ولا يستطيع كتم السر. وأن الرجل يكون سره في قلبه، فيلحقه من القلق والكرب ما لا يلحقه من حمل الأثقال، فإذا أذاعه استراح قلبه، وسكن خاطره، وكأنما ألقى عن نفسه حملاً ثقيلاً.
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ” القلوب أوعية والشفاء أقفالها ” ، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كل إنسان مفتاح سره ” . ومن عجائب الأمور أن الأموال كلما كثرت خزائنها كان أوثق لها، وأما الأسرار فإنها كلما كثرت خزائنها كان أضيع لها، وكم من إظهار سر أراق دم صاحبه ومنعه من بلوغ مآربه ولو كتمه أمن سطواته. وقال أنوشروان: من حصن سره، فله بتحصينه خصلتان، الظفر بحاجته، والسلامة من السطوات. وقيل: كلما كثرت خزائن الأسرار زادت ضياعاً. وقيل: انفرد بسرك لا تودعه حازماً فيزل، ولا جاهلاً فيخون، وقال كعب بن سعد الغنوي:
ولست بمبد للرجال سريرتي … ولا أنا عن أسرارهم بسؤول
وقال أبومسلم صاحب الدولة:
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت … عنه ملوك بني مروان إذ جهموا
ما زلت أسعى عليهم في ديارهم … والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا … من نومة لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنماً في أرض مسبعة … ونام عنها تولى رعيها الأسد
وأسر رجل إلى صديقه حديثاً، ثم قال له: أفهمت؟ قال: بل جهلت. ثم قال له: أحفظت؟ قال: بل نسيت. وقيل لبعضهم: كيف كتمانك للسر؟ قال: أجحد المخبر، وأحلف للمستخبر. وقال المهلب: أدنى أخلاق الشريف كتمان السر وأعلى أخلاقه نسيان ما أسر إليه. ومن أحسن ما قيل في كتمان السر قول الشاعر:
ولها سرائر في الضمير طويتها … نسي الضمير بأنها في طية
وقد أجازه الشيخ شمس الدين البموي فقال:
إني كتمت حديث ليلى لم أبح … يوماً بظاهره ولا بخفيه
وحفظت عهد ودادها متمسكاً … في حبها برشاده أو غيه
ولها سرائر في الضمير طويتها … نسي الضمير بأنها في طيه
وقيل: كتمان الأسرار يدل على جواهر الرجال، وكما أنه لا خير في آنية لا تمسك ما فيها، فكذلك لا خير في إنسان لا يمسك سره، قال الشاعر:
ومستودعي سرا كتمت مكانه … عن الحس خوفاً أن ينم به الحس
وخففت عنه من هوى النفس شهوة … فأودعته من حيث لا يبلغ الحس
وقال قيس بن الحطيم:
أجود بمكنون التلاد وإنني … بسري عمن يسألني لضنين
وإن ضيع الأقوام سري فإنني … كتوم لأسرار العشير أمين
وقال جعفر بن عثمان:
يا ذا الذي أودعني سره … لا ترج أن تسمعه مني
لم أجره قط على فكرتي … كأنه لم يجر في أذني
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ” ما أفشيت سري إلى أحد قط، فأفشاه، فلمته إذ كان صدري به أضيق ” .
وقال الأحنف بن قيس: يضيق صدر الرجل بسره، فإذا حدث به أحداً قال: اكتمه علي قال الشاعر:
إذا المرء أفشى سره بلسانه … ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه … فصدر الذي يستودع السر أضيق
وقال آخر:
إذا ما ضاق صدرك عن حديث … وأفشته الرجال فمن تلوم
وإن عاتبت من أفشى حديثي … وسري عنده فأنا الملوم
وقال صالح بن عبد القدوس: لا تودع سرك إلى طالبه، فالطالب للسر مذيع.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.