استقالة من أجل قيامة لبنان

ما كاد لبنان يخرج من أزمة الفراغ الرئاسي بتسوية مباركة من الدول العربية، ولا سيما “مجلس التعاون” الخليجي حتى أدخلته مكابرات “حزب الله” وتشبثه بدويلته مقابل الدولة في دهليز الانقسام مرة اخرى، متأملا من ذلك جعل المرحلة الحالية تثبيتا لقوته في الهمينة على البلاد، ومدخلا لبنان في الهلال الفارسي المعنون بالشيعي عنوة وبقوة القمع حتى على الاعتراضات الشعبية التي رأينا كيف دفع الناس دفعا الى التراجع عنها عندما ثاروا عليه في معقله الضاحية الجنوبية.
رغم هذه الحقائق كان ثمة رهان لبناني وعربي على ان التسوية معبر الى استعادة لبنان استقراره وخروجه من محور الإضرار بالامن القومي العربي، او أقله النأي به عن لعبة الأمم التي زجه بها “حزب الله”، أكان من خلال مشاركته بذبح السوريين والعراقيين او بث خلاياه الارهابية في عدد من الدول الخليجية، لا سيما الكويت، التي حين طرحت قضية “خلية العبدلي” على رئيس الجمهورية ميشال عون، المعتبر نفسه القوي القادر على إعادة احياء الدولة، تهرب منها عشية زيارته الكويت، بطريقة ملتوية مستخفا بخطورة وحساسية ما تمثل، ما أظهر الرئيس رهينة عند الحزب المستقوي بسلاحه على اللبنانيين كافة، شيعة قبل السنة والمسيحيين والدروز وبقية المكونات الاخرى.
صرخة الرئيس سعد الحريري بوجه المشروع الذي ينفذه الحزب الارهابي، عبر استقالته ذات المضمون المدوي، ليست تعبيرا عن موقف سني فقط، انما هي صرخة لبنانية جامعة، معبرة عن الشيعة الذين يعيشون ضيما مستمرا منذ انتهاء الحرب الاهلية بسبب سلاح الحزب الذي للأسف اعتبره “الرئيس- الامل” حاجة لبنانية وربطه بحل قضية الشرق الاوسط، ما يعني ان لا نهاية لهذا الخروج الممنهج على الدولة، بل ان عون جعل لبنان رهينة أبدية لصراعات المنطقة، مما يفهم ان من اعتبر نفسه المدافع الاول عن المسيحيين في الشرق الاوسط، يقول لبيئته عليكم إتقان الحديث عن المظلومية بعدما يكون لبنان كله أصبح يتكلم الفارسية بقوة الهيمنة المتمثلة بساكن الجحور وحزبه في الضاحية الجنوبية لبيروت.
لا شك ان بعد سنة وبضعة ايام على عودة إحياء المؤسسات الدستورية فاض الكيل بالحريري الذي كان طوال العام الماضي يؤخذ عليه، عربيا وخليجيا وحتى لبنانيا، انه يقدم التنازلات تلو التنازلات لحزب تقبيل النعال المرتبط بمحور الشر الايراني في الاقليم، فيما يؤخذ على اللبنانيين صمتهم إزاء ممارسات الحزب خصوصا بعد توافد طوابير جثث شباب يهدر دمهم في سورية والعراق خدمة للمشروع الفارسي.
نعم، وضع الرئيس الحريري حدا لكل الرهانات على إمكانية استقامة الوضع اللبناني بعدما لمس لمس اليد كيف يسعى “حزب الشيطان” عمدا لإفشال كل محاولات رأب الصدع، واستمرار إضراره بالامن القومي اللبناني وعلاقاته مع الدول العربية والخليجية، وزيادة الاعباء الاقتصادية على بلد أنهكته الديون الخارجية البالغة نحو 80 مليار دولار، فيما خدمتها السنوية توزاي الناتج المحلي.
الاستقالة هذه ثورة في وجه طغيان السلاح الذي يأخذ لبنان الى هاوية لا يمكن لأحد في المنطقة حاليا إنقاذه منها، وكي لا يكون الحريري مساهما في تدمير بلده، فيما يحاول رئيس الجمهورية إشاحة وجهه عن الحقيقة المفزعة التي باتت بلاده عليها.
لقد قرع سعد الحريري جرس الانذار بقوة لقيامة لبنانية حقيقية تساهم فيها كل المكونات الطائفية، من سنة وشيعة ومسيحيين ودروز بوجه من يريد جعل بلدهم مزرعة خلفية للثعالب والضباع الفارسية في المنطقة.

أحمد الجارالله