“اسطنبول إلى الأبد” تُوثِّق للقمع بعد انقلاب 2016 كتبها الروائي الفرنسي صامويل أوبان

0 211

ترصد رواية “إسطنبول إلى الأبد” للمخرج والروائي الفرنسي صامويل أوبان تاريخ إسطنبول القديم والحديث وإرثها المتعدد على خلفية مذابح الأرمن ومحنة الأكراد، كاشفة عن التناقضات التي تعبرعن المجتمع التركي وتصور كيف ينزلق شعبٌ كامل في اتجاه التعصّب القومي.
ويقدم صمويل نشيد احتفاء بهذه المدينة التي عاش فيها بين عامي 2013 و2017، وفي الوقت نفسه، قراءة شخصية بصيرة للحوادث العنيفة التي عايشها في تركيا خلال تلك الفترة.
بطل الرواية “سيمون”، صورة مطابقة لأوبان، فهو مستقرّ في إسطنبول، يوثّق بعدسته الحياة حوله وخصوصًا المدينة التي يعيش فيها ويعشقها: “كيف يُعقَل أن نكون مسكونين إلى هذا الحد بمدينة لم نعش فيها سوى أربع سنوات ولا يربطنا بها أي نسب عائلي؟ يبحث من أجل معرفة لماذا تمارس إسطنبول إلى هذا الحدّ تأثيرًا عليه ويجد في النهاية التالي: الانفتاح الذهني، وهذه مفارقة في مجتمع معجون بالشعور القومي، تحرّكه الدُغماتيّة الدينية، لكن رياح الحرّية تهبّ سرًّا داخله، أولئك الذين لا يسمحون لأنفسهم بالانغلاق داخل أخلاقية ضيّقة يُظهِرون حرية فكرية أكثر حيوية ممّا في الغرب.
في أحداث القصة زوجة سيمون كلير وابنه أناتول، ولدينا أنوش الفرنسية من أصول أرمنية التي أتت إلى تركيا لتحضير أطروحة دكتوراه في تاريخ الفن حول المهندس الأرمني ميمار سينان الذي صمّم مساجد إسطنبول، تتزوّج هذه من فرحات، المحامي الكردي الذي تحوّل، بعد اعتصامات منتزه “ميدان تقسيم” في عام 2013، إلى داعية لحقوق الإنسان والأقليات في وطنه، ولدينا طلاب سيمون الملتزمون سياسيًا، يتابعون تعليمه وإرشاداته داخل محترفه من أجل تصوير واقع تركيا اليوم، وفي مقدّمهم زينب المحجَّبة التي تكتشف أن جدّتها أرمنية الأصل فتقرر إنجاز فيلم وثائقي عنها، على الرغم من حساسيّة هذا الموضوع في مجتمعها المحافظ.
القصة التي يسردها أوبان في روايته نتلقّاها من وجهة نظر سيمون بصيغة المجهول، ومن وجهة نظر أنوش بصيغة المتكلّم، وهذا يفسّر حيويتها وترسّخها داخل واقع اجتماعي وسياسي معقّد ومتغيِّر، وما يمنحها أيضًا طابع الفيلم الوثائقي، نظرًا إلى التصاق تسلسل الحوادث والأوضاع المسرودة فيها بالواقع.
في هذا السياق، تنقلنا عملية السرد الفاتنة إلى داخل إسطنبول وتجعلنا نتآلف مع صخبها وغليانها بالحياة وتعدّديتها الثقافية، فنتذوّق مناظرها، نكهاتها، موسيقاها، أنوارها، أجواء مقاهيها وأحيائها باختصار كل ما يجعل منها مدينة فريدة من نوعها.
وفي الوقت نفسه، تعرّي عملية السرد التحولات التعيسة التي شهدتها هذه المدينة بعد محاولة الانقلاب،عبر مراقبة سيمون يومًا بعد يوم حوله هستيريا التوقيفات التعسّفية والقمع الأعمى وتكميم الصحافيين ومصادرة الحرّيات على يد حكومة أردوغان الاستبدادية، من جهة، وتفجيرات “داعش” الانتحارية، من جهة أخرى.
تكمن قيمة هذه الرواية في دمجها العناصر التاريخية والاجتماعية والسياسية والأمنية التي يستحضرها الراوي داخل نصٍّ مكتوب بلغة شعرية صورية، وفي جعلنا، بسرده الساحر، نتنقّل في إسطنبول كما لو أننا داخلها، فنعي الوضع المأساوي لتركيا عمومًا اليوم بمعايشتنا الحوادث المتعاقبة التي سمحت لأردوغان بممارسة استبداده من دون أن يفقد دعم جزءٍ كبير من الشعب التركي. كما تكمن قيمة الرواية في قراءتها تاريخ إسطنبول القديم والحديث وإرثها المتعدد على خلفية مذابح الأرمن ومحنة الأكراد المزمنة في تركيا، وفي كشفها التناقضات التي تعبر المجتمع التركي وتصويرها كيف ينزلق شعبٌ بكامله في اتجاه التعصّب القومي.
(عن”إيلاف”)

غلاف الرواية
You might also like