اسطنبول تتمرد على القمع الأردوغاني

0 223

أحمد عبد العزيز الجارالله

أخيراً سمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كلمة الشعب الرافض لسياسته التي تسببت بهذه النقمة الكبيرة على حزب العدالة والتنمية والنهج الإخواني في الحكم، في دولة لم تطق يوماً الحكم الشمولي المستند إلى استبدادية بشعة مثل تلك التي يحكم بها هذا الحزب، رغم أنها حكمت لفترات طويلة من العسكر إلا أن هؤلاء كانوا إلى حد كبير أقل قمعاً مما هي عليه الحال اليوم.
انتخابات اسطنبول لم تكن مجرد إعادة لانتخابات بلدية في مدينة كبرى، إنما المؤشر الواقعي على رفض الأتراك لأردوغان الذي درج على رفض النتائج حين لا تكون لمصلحته، وهو ما حصل في الانتخابات البرلمانية حين فاز حزب الشعب الديمقراطي بنحو 78 مقعداً، فطالب أردوغان بإعادة الانتخابات، لأنه لمس مدى ارتفاع مؤشرات الانقسام الحقيقي حول سياساته، ومردودها السلبي على الاقتصاد بعد الانهيار في سعر صرف الليرة، وتراجع الصادرات، إضافة إلى تخليه عن شعار “صفر مشكلات”، وانغماسه في التدخل بالشؤون الداخلية للدول، سواء أكان في مصر التي حاول أن يجعل من نفسه مرشداً لها بعدما خطفت جماعة الإخوان الحكم، وحين انتفض الشعب عليها، ناصب مصر العداء.
كذلك الأمر في سورية التي اتخذ منها حديقة خلفية يرمي فيها مشكلاته الداخلية من جهة، ويبتز الاتحاد الأوروبي في سعيه إلى الانضمام له، فكان مرة يلوح بجزرة مكافحة الإرهاب، وأخرى يطلق عصا إغراقه باللاجئين، ممنياً النفس بأنه إذا خسر معركته الأوروبية عاد إلى حلم إحياء الدولة العثمانية، وجعل نفسه مرجعية كبرى في العالم العربي عبر بوابة سورية، والأمر عينه لم يختلف في العراق حين أغرقه بشذاذ الآفاق الإرهابيين من دول العالم.
طوال السنوات الماضية عاث حزب العدالة والتنمية فساداً في العلاقات التركية مع مختلف دول العالم الإسلامي، في شمال أفريقيا والخليج العربي، وبحث عن كل ما يثير الاختلاف والشقاق كي يغلب على لغة العقل، فجعل من قضية خاشقجي، التي هي مسألة محض سعودية، حجة لاستعداء العالم على المملكة انتقاماً منها لإدراجها جماعة “الإخوان” على قائمة الإرهاب ودعمها هي ودول الخليج العربية لمصر في تصديها للأزمة الاقتصادية التي نشأت بعد ثورة 25 يناير وحكم “الإخوان”، وتدخله لدعم الجماعات الإرهابية في ليبيا.
أما داخلياً فاتخذ من جماعة غولن حجة لقمع أي معارضة لسياسته وذلك من خلال مسرحية الانقلاب في عام 2017، وزج الآلاف في السجون، مصوراً غولن العجوز المقيم في الولايات المتحدة الأميركية، كأنه يمتلك قوة عظمى.
كل هذه الممارسات السياسية جعلت الأتراك يعلنون رفضهم العلني لحزب العدالة والتنمية ورئيسه أردوغان الذي حاول المكابرة في الانتخابات البلدية السابقة غير أنه أذعن للشعب في الإعادة، فهنأ خصمه بلغة أقرب إلى نعي سياسته، معلناً بطريقة غير مباشرة قرب وفاة مشروعه الذي بات من شبه المؤكد أن الانتخابات المقبلة ستشهد تشييعه إلى مقبرة التاريخ.
منذ اليوم يمكن القول إن الأتراك سيبدأون التمرد على الأردوغانية، تماماً مثل ما ثار المصريون على “الإخوان”، وهو ما يمكن اعتباره بداية تخلص العالمين العربي والإسلامي، من هذا السرطان الذي كاد يفتك بهما، لهذا لم يجد اليوم لا “العدالة والتنمية” ولا “الإخوان” من يعزيهما في هذه الخسارة.

You might also like