اطالة القراءة في الصلاة نهج الرسول في تدبر القرآن مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن (16)

0 10

القاهرة: محمد إسماعيل

يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.

يقول الدكتور صالح يحيى صواب في دراسة له بعنوان “المنهج النبوي في تدبر القرآن الكريم”: من الأسباب التي تعين على تدبر القرآن الكريم إطالة القراءة، فكلما أطال المرء القراءة كان أدعى لحضور القلب وارتباطه بما يتلو، وانسجامه مع الآيات التي يقرأها واجتماع الذهن حولها، وهذا بخلاف القراءة القصيرة التي قد لا يتمكن بعض الناس من استحضار القلب والخشوع معها.
وقد كان من نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم إطالة القراءة في الصلاة، فعن حذيفة رضي الله عنه قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسّلا، إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ، ثم ركع فجعل يقول: “سبحان ربي العظيم”، فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثم قال: “سمع الله لمن حمده”، ثم قام طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد فقال: “سبحان ربي الأعلى”، فكان سجوده قريبا من قيامه).
بل بلغ من طول قيامه صلى الله عليه وسلم في الصلاة والتهجد بالقرآن أن يطيل القيام حتى يتعب من يصلي معه، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فلم يزل قائما حتى هممت بأمر سوء، قلنا: وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النبي صلى الله عليه وسلم.
ويؤكد الدكتور عبد القادر سليماني في كتاب “تدبر القرآن الكريم حقيقته وأهميته في إصلاح الفرد والمجتمع”، أنه لا شك عندما تكون تلاوة القرآن في الصلاة فإن ذلك يعين على تدبر القرآن؛ وذلك أن العبد في صلاته يتعبّد لله – سبحانه وتعالى – بكل أفعاله وأقواله، فيستشعر وقوفه بين يدي الله سبحانه، وتزداد خشيته له، وقد وردت الأخبار الصحيحة عن طول قيام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان، وإنما يكون القيام بقراءة القرآن، فجمعوا بين القيام والتلاوة.
وقد كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن في كثير من الأحوال أثناء الصلاة، عملا بقوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا)، (سورة الإسراء الآية: 78- 79).
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن من حق القيام بواجب القرآن القيام به آناء الليل وآناء النهار، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار). فينبغي أن يجعل المسلم جزءا من تلاوته في صلاته وبخاصة صلاة الليل؛ لارتباط الصلاة بالتلاوة، ولحضور القلب في الصلاة أكثر منه خارج الصلاة، كما قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِّصْفَهُ أَوِانقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا )، (سورة المزمل الآية: 1- 6).

الجهر بالقرآن
يشير الإمام البخاري في كتاب “فضائل القرآن”: أن من نهج النبي صلى الله عليه وسلم في تدبر القرآن الجهر بالقرآن الكريم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقرآن، وبين أن ذلك محمود، فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: (ما أذن (ما استمع) الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به).
وأيضا من نهج النبي صلى الله عليه وسلم في تدبر آيات الذكر الحكيم تحسين الصوت بالقرآن، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحسين الصوت بالقرآن الكريم، وهو قدرٌ زائد على التجويد والترتيل، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (زينوا القرآن بأصواتكم)، وأخرج أبو داود عن عبد الجبار بن الورد، قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال عبيد الله بن أبي يزيد قال: مرّ بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل بيته، فدخلنا عليه، فإذا رجل رثّ البيت، رثّ الهيئة، فسمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن)، قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسّنه ما استطاع.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستمع إلى بعض الصحابة الذين يحسنون أصواتهم بالقرآن، ويوصي بالقراءة عليهم والتلقّي منهم، فقد استمع صلى الله عليه وسلم إلى قراءة أبي موسى، وامتدحه لحسن صوته، فقال له: (لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود).
وفي رواية أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “والله يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبّرته لك تحبيرا”. وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بقراءة القرآن على عبدالله بن مسعود؛ لحسن صوته وجودة قراءته، فقال صلي الله عليه وسلم: (من أحب أن يقرأ القرآن غضّا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد)، يعني ابن مسعود. إن الصوت الجميل يجلب السامعين لسماعه، وكلما ازداد تحسينا ازداد حرص الناس على سماعه وتدبره..

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.