اطمئنوا … لن تتلاشى

0

حسن علي كرم

في الزمن الغابر أو في الزمن الجميل، اختر ما شئت، وفي زمن الفرجان والسكيك الترابية وبيوت الطين المتلاصقة، حيث تلتصق طوفة بطوفة، كان في احد الفرجان بيتان متلاصقان، وفي أحدهما طفل لم يتجاوز السنوات الأربع من عمره، وفي البيت الآخر طفلة بنفس العمر أو أقل ببضعة شهور، وبحكم الجيرة كانت أم الطفل «ع» وأم الطفلة «ش» تتبادلان الزيارات والأطعمة والنقصة في المناسبات وخصوصا في شهر رمضان وكذلك في الأيام العادية، بل كلما نقصت على إحداهما حاجة من المطبخ لا تتوانى أن تطلبها من جارتها، وأما أبو «ع « وأبو «ش» فغالباً ما كانا يجلسان إلى جوار منزل أحدهما ويسندان ظهريهما إلى جدار البيت، أو يذهبان معاً إلى البراحة بالفريج، حيث ينضمان إلى جلسة الربع، على هذا النحو مضت حياة الجارين الحميمين، وعلى هذا النحو كبر «ع» و»ش»، و صار «ع» يافعاً ودخل مرحلة الرجولة، كذلك «ش» تخطت مرحلة الطفولة، وصارت صبية هيفاء، تنادي الأنوثة الصارخة من تحت أعطافها، لم يكن عسيراً على «ع» و»ش» ان يتلاقيا، حيث يعودان معاً من المدرسة التي لا تبعد عن منزليهما كثيراً، وان كان من العسير أن تتشابك أيديهما لكن كان من السهل ان يتبادلا النظرات والابتسامات، وربما بعض الأحاديث البريئة. أنهى «ع» مرحلة الابتدائية – المتوسطة حالياً – وكذلك «ش» بالنجاح، ولم يرغب «ع» ان يستمر في الدراسة مكتفيا بالشهادة الابتدائية، اما «ش» فقد أجبرها والداها على الجلوس في البيت بانتظار نصيبها «ع» التحق بوظيفة مرموقة في إحدى الدوائر الحكومة، حيث ترقى بعد اشهر قليلة من التحاقه بالوظيفة الى رئيس قسم، هنا جاءت الفرصة لكي تقترح والدته عليه ان يكمل نصف دينه، لم يمانع ع، لكنه اشترط ان تكون حبيبة عمره، وذكريات طفولته، زوجة المستقبل، هنا لم تمانع الام وبارك الأب الفكرة، في اليوم التالي ارتدت الام عباءتها ميممة إلى أم «ش» تملأ ابتسامتها وجهها، واستقبلتها أم «ش» بابتسامة أكبر وبترحاب كالمعتاد بين جارتين وصديقتين، فتشجعت أم «ع» لتعرض على جارتها خطبة ابنتها الى ابنها، إزاء هول المفاجئة امتقع وجه ام «ش» و لم تشأ ان تقول شيئاً سوى: «الراي راي أبوها و يصير خير»، مر يوم، يومان، ثلاثة، أسبوع، لا جواب من ام «ش» بل انقطعت الاتصالات الاعتيادية بين الجارتين، وانقلب الجار على جاره، و لم يكن امام ام «ع» الا ان تحمل بعضها وتذهب بعد تردد وعلى استحياء الى بيت جارتها عارضة عليها موضوع الخطبة، لكن الجارة لم تكن حميمية كعادتها مع جارتها، وبعد إلحاح من ام «ع»، قالت لها: «بصراحة ابوها ما رضى لأن أنتم بياسر واحنا ما نزوج بناتنا حق البياسر!».
هذه القصة ليست من نسج الخيال، بل واقع حدث في زمن كان هناك فقر وبساطة وسذاجة، وايضاً كانت هناك النعرة العنصرية والطبقية، بل لعل الطبقية في تلك الازمان كانت اشنع من الزمن الحالي، الا انه مع تزايد الوعي والتعليم والانفتاح وغير ذلك خفت الى حدٍّ ما.
الخوف على مستقبل الدولة امر لا يحتاج الى الشرح، فكلنا عشنا زمن الخوف وانعدام الهوية وفقد الوطن عندما اجتاحت دبابات النظام العراقي الصدامي ارض الكويت، واستباحت كل ما فيها وما عليها، إنساناً وممتلكات و ذهبا وأموالا، و حتى الانعام والحيوانات، و لكن الشيء الذي لم يستطع المحتل الغاصب ان يسلبه هو ارتباطنا وحبنا كلنا جميعاً لهذه الارض التي اودع الله سره بها، والتي نزحنا اليها آمنين سالمين أباً عن جد، وأحفاد أحفاد، والى ان يرث الله الارض ومن عليها، و كنّا ظننا ان جريمة الغزو كانت كافية لكي تعيد الدولة قناعاتها الخاطئة، وتثق بأن الكويتيين بكل أنماطهم ومكوناتهم وفئاتهم مواطنون مخلصون، وان العبرة ليست بابن فلان او ابن فلنتان او بالقبيلة او بفئة التجار او طائفة او مذهب او…او…او.
الا ان الدولة عادت كعادتها الى سلوكها القديم، وهو الضرب على مزامير الطائفية والقبلية والفئوية، بل لعلها قسمت المجتمع الى شرائح وفئات لا قبل لها بها، و لم يكن هناك قبل الغزو التعصب العائلي او القبلي او المذهبي او الديني صارخاً، كما الحال في العقدين الاخيرين، من هنا أستطيع ان أزعم ان مجتمعنا مريض لكنه مرض لا يفضي الى الموت، فالاصيل الذي رفض ان يزوج ابنته الى ابن جاره البيسري اللذين عاشا وترعرعا معاً ولا يفصلهما الا جدار طيني بسيط، هذه النعرة او الطبقية حرمت الحبيب من حبيبته، كذلك الدولة فشلت ان تزاوج بين فئات المجتمع، لعلها تجاهلت الدستور والمادة 29 التي ساوت بين المواطنين، الدولة تحاول ان تلعب لعبة الأصيل و البيسري مع المجتمع، فتختار وزيراً قبلياً ووزيراً شيعياً ووزيراً من التجار ومن البيوتات «الأصيلة» ضاربة عرض الحائط مبدأ الكفاءة وتكافؤ الفرص، هذا بخلاف توزيع المناطق الانتخابية حسب الطوائف والقبائل والعوائل، ما أدى الى تقوية النعرة القبلية والطائفية والعائلية والمذهبية، بل لعلها غدت أمراً خطيرا عندما تطالب قبيلة توزير احد ابنائها في الحكومة، والاخطر ان انتخابات الجمعيات التعاونية واتحادات الطلبة والجمعيات الأهلية تجرى على اساس قبلي وطائفي ومذهبي او فئوي، ولا يبدو قد ضاقت الدولة بتلك الظواهر، بل لعل يسرها ذلك.
والسؤال هنا: هل الدولة في خطر حتى نخشى تلاشيها؟ نعود الى القول الدولة مريضة لكنها لن تموت، ومرضها بسيط وعلاجها ابسط، ودواؤها موجود في صيدلية الدولة، لكن السؤال: هل تعي الدولة خطورة مرض المجتمع او تعي انعكاس المرض على كيان واستقرار الدولة؟ لكن بشيء من الوعي وبالبعد عن الانانية، وبالتذكير ان الكويتيين في أصعب اختبار صمدوا ضد الاحتلال وتمسكوا بنظامهم والولاء لكويتهم كل هذا رسالة، على الدولة والنظام ان تعيا مضمونها.
صحافي كويتي
hasanalikaram@gmail.com

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

أربعة × 1 =