اقبض من دبش… يا دبش محبرة وقلم

0

مشعل عثمان السعيد

كثيرا ما كنا نسمع جملة: “اقبض من دبش” يقول الرجل لصاحبه: لي على فلان دين وهو يماطلني ويعدني بسداده الا انه لم “يعطني شيئا”، يرد صاحبه ساخرا: “اقبض من دبش”! أي انه لن يعطيك شيئا ولن تقبض منه فلسا واحدا.
إذاً هي عبارة سخرية واستهزاء كقول بعض الناس: “بالمشمش” هذا المثل عراقي انتشر في الكويت لان دبش كان يسكن في البصرة، وهي مدينة قريبة من الكويت، ولأهل الكويت الكثير من الاملاك بها.
دبش يهودي يعمل مديرا ماليا في هذا الميناء، وهو من يهود العراق ودبش اسم جده وانما اسمه عزرا ساسون دبش وفي اللغة العبرية يقال للعسل: دبش، وهو المسؤول عن توزيع رواتب الموظفين والعمال في الميناء، وهو نشط جدا يدير الميناء وحده، ومع هجرة اليهود من الوطن العربي حزم دبش أمتعته وغادر البصرة الى فلسطين وتسلم هناك ادارة ميناء حيفا، واستقر في اسرائيل، ثم ان العمال والموظفين في ميناء البصرة كانوا يسألون عن اجورهم بعد ان غادر دبش البصرة ومن سيدفع لهم، فيقال لهم: “اقبض من دبش”! لأنه سافر ولا احد يقوم بما كان يقوم به دبش من دفع اجورهم وقد توفي دبش في حيفا عام 1962.
وعندنا ايضا يقال للرجل الضعيف الاستيعاب: “انت دبش ما تفهم”؟ وليس المقصود بالعبارة الاخيرة: دبش اليهودي، وانما البهائم التي تسمى عندنا في الماضي: دبش، حتى ان بيوت اجدادنا لا تخلو في الماضي من “حوش الدبش” وهي الابقار والاغنام وربما بعض الاغراض المنزلية القديمة.
وفي اللغة العربية: دبش بكسر الدال، اسم الجمع منها: ادباش والدبش اثاث البيت، رديء المتاع وسقطه، واهل الحجاز في الماضي يسمون جهاز العروس: الدبش، اما الدبش برفع الدال فتعني في اللغة: السيل العظيم الجارف ودبشة تعني قشرة.
وبالعودة الى ما بدأت به فقد اوردت مدينة البصرة في حديثي عن: دبش اليهودي، فوددت ان اسوق لكم بعض المعلومات التاريخية عنها لزيادة الفائدة.
والبصرة اليوم ثاني اكبر مدينة عراقية، وهي من اهم الموانئ العربية واغناها بالنفط والغاز اما معنى البصرة في القاموس فهي الارض الغليظة، وهي تعني ايضا: الحجارة الرخوة التي بها بياض، والطين العلك الجيد فيه حصى، والجمع من البصرة: البصار بكسر الباء، وفي العصر الاسلامي الاول كان يقال للبصرة والكوفة: البصرتان لاهمية البصرة، كما ان لها اسماً آخر هو: الفيحاء وتشترك في هذا الاسم مع دمشق وطرابلس الشام، والفيحاء تعني الدار الواسعة والحساء فيه توابل والرائحة الزكية.
وقد افتتح الصحابي الجليل عتبة بن غزوان المازني (رضي الله عنه) البصرة عنوة ثم اختطها بالقصب بإذن من الفاروق عمر ومصرها ابوموسى الاشعري والبصرة قبل الفتح الاسلامي كانت تابعة للامبراطورية الفارسية، وتسمى أرض الهند وتم افتتاحها عام 14هجرية “وبها وقعت معركة الجمل عام 36 هجرية وقد دمرها صاحب الزنج في عهد الخليفة العباسي المعتمد على الله حتى ضرب المثل بها فقالوا: خراب البصرة، تذكر بعض الروايات ان صاحب الزنج قتل منها مليون نسمة وسبى النساء والاطفال ، ثم سار لها الموفق طلحة ولي عهد المعتمد فانتصر على صاحب الزنج نصرا حاسما وكانت هذه الحادثة المروعة في منتصف القرن الثالث الهجري، وصاحب الزنج في الاصل فارسي من اهل الري يدعى “بهبوذ” ثم ادعى انه علوي النسب وان اسمه: علي بن محمد وفي البصرة الفيحاء مرقد حواري رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وابن عمته الزبير بن العوام وهو احد العشرة المبشرين بالجنة، وبها قبر طلحة الخير بن عبيدالله، وهو من العشرة المبشرين بالجنة ايضا، وبها قبر التابعي الجليل الحسن البصري، وايضا محمد بن سيرين، وعتبة بن غزوان اول عربي مسلم تولى البصرة بأمر من الفاروق عمر، واشد ولاة البصرة والكوفة معا واكثرهم عسفا زياد بن ابيه والحجاج بن يوسف في العهد الاموي الاول، وكان من يتولى الكوفة تضم له البصرة، واهل البصرة عرب اقحاح تجد فيهم الاخلاق العربية الاصيلة.
وفي النهاية تذكروا اذا قال لكم احد: “اقبض من دبش”، فالمعنى: ابشر بالفلس، دمتم سالمين، في أمان الله وحفظه.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

أربعة عشر − 4 =