اكتئاب الطلاق… صدمة تفضي إلى الانطوائية والميل للانتحار يُفاقم ظاهرة "الأم العزباء" والرجال أكثر شعوراً بالألم النفسي

0 154

القاهرة – علا نجيب:

تعد تجربة الطلاق من أسوأ التجارب التى يمر بها الرجال والنساء على السواء، لاسيما مع وجود أطفال، اذ تشتد حدة الألم النفسي، والتوتر،والقلق، بل قد يتطور الأمر إلى عدم القدرة على النوم وفقدان التركيز ومواصلة العمل.
في هذا السياق، أكد غير واحد من أساتذة علم النفس والاجتماع واستشاريي العلاقات السرية في تحقيق لـ”السياسة” أن اكتئاب الطلاق يهدد الصحة النفسية لكثير من المنفصلين ويدفعهم إلى الميل للعزلة والوحدة، بل يؤدى إلى تنامي الميول الانتحارية والرغبة في الابتعاد عن ضجيج الحياة لشعورهم بالاحباط وأن الحياة لم يعد لها معنى، مؤكدين أن هناك طرقا يجب اتباعها للتعافي سريعا منها الاشتراك في الأنشطة الاجتماعية والخيرية التى تجعل المطلق يشعر بأهميته في الحياة، وطلب الدعم النفسي من الأهل والاصدقاء، وفيما يلي التفاصيل:
بداية، يرى الدكتور محمد نور، أستاذ علم الاجتماع، أن الطلاق يعتبر حلا سلميا لإنهاء المشكلات في بعض الأحيان و انقاذا للروح النفسية من الألم الذى قد يعتريها من آن لآخر نتيجة لمشكلات الحياة الزوجية، إلا أنه لا يمر بمرحلة واحدة إنما بعدة مراحل.
ويضيف أنه برغم من اختلاف أسباب الانفصال من فرد لآخر، إلا أن هناك مراحل تمر بها علاقات الطلاق،أولها التخفي إذ لا تتم مناقشة الخلافات الموجودة بين الطرفين، بل يعمد كل منهما إلى الاحتفاظ بها وعدم إثارتها لشعورهما بالإحباط أو الغضب، تليها مرحلة الاصطدام وفيها يحدث الانفجار بين الزوجين، تزداد حدة الخلافات بينهما، تنشب المشاجرات من وقت لآخر، تتجلى الانفعالات المكبوتة بداخلهما، أما مرحلة انتشار النزاع فلا يخفى على أحد من الأهل والأصدقاء، فيها تزداد الرغبة في الانتقام والهروب بعيدا عن إطار الحياة الزوجية، قد يلجأ الزوج للخيانة أو الدخول في علاقة عاطفية هربا من تلك المشكلات، في حين تأتى آخر مرحلة باتخاذ قرار الانفصال برضا الطرفين أو رغبة أحدهما، عادة ما تسبقه الرغبة في تلقى الدعم والبحث عن حلفاء يؤازرونه ويدعمونه في قرار الطلاق، حيث يتم البدء في مناقشة أسباب الرغبة في الطلاق، رغم أن القرار قد يكون له آثارا نفسية سلبية، إلا أن له آثارا ايجابية على نفسية الزوجين أو الأطفال.
ويتابع: توجد أسباب كثيرة للطلاق، وبخاصة مع تفشي الظاهرة في الوطن العربى وتسجيلها أرقاما مرعبة، فالتدخل في حياة الزوجين من قبل بعض الأهالي يؤدي لزيادة حدة الخلافات بينهما، الغيرة الشديدة، الشك المتزايد، إهمال أحد الطرفين للآخر، وعدم التكافؤ من الناحية العلمية أو الاجتماعية. ويلفت إلى أن هناك أسبابا أخرى قد تؤدي للانفصال، لكن من المقلق أن أرقام الطلاق في السنة الأولى من الزواج وصلت لأقصى درجة بسبب التغاضي عن العيوب، وعدم محاولة فهم كل طرف للآخر والتقرب منه في فترة الخطوبة.
ويشير إلى أن من الآثار النفسية التى تنجم عن الانفصال التفكير الزائد في الماضي، ولوم وتأنيب الذات باعتباره المتسبب في الطلاق حتى وإن لم يكن كذلك، ما يؤدى لفقدان الثقة في النفس، الشعور بالظلم والإهانة، وقد يلجأ البعض للدخول في علاقة عاطفية سريعة لاعتقاده أن ذلك سينسيه التجربة المؤلمة، إلا أن ذلك يزيد من الطين بلة، فقد تتفاقم الآثار السلبية كالشعور بالإحباط، الدخول في نوبة اكتئاب، الميل للعزلة والوحدة، أما الأخطر فإنه يؤدي لتنامي الميول الانتحارية والرغبة في الابتعاد عن ضجيج الحياة لشعوره أن حياته لم يعد لها معنى.
وينصح للتغلب على هذه الحالة بضرورة تنمية الذات، الاشتراك في الأنشطة الاجتماعية والخيرية التي تجعل المطلق يشعر بأهميته في الحياة، طلب الدعم النفسي من الأهل والأصدقاء، المشورة النفسية من أخصائيي علم النفس، الاشتراك في جلسات للعلاج الجماعي، إذ يبدأ كل من مر بنفس التجربة بالحديث عن مشاعره وتفريغ غضبه مما يساعده على التعافي السريع.

آثار ايجابية
من جهتها، تشير الدكتورة منى عبد الرحيم، أستاذ علم الاجتماع، أن المطلق والمطلقة يشعران بنوبة من الغضب والثورة النفسية لا تظهر إلا بعد مرور فترة على صدمة الطلاق، دوما ما يصاحبها الرغبة في البكاء والميول الانطوائية، وفقدان القدرة على التركيز في العمل، وتلازم المطلق الكوابيس المزعجة مما يحرمه من النوم الهادئ. وتوضح أن الأعراض الاكثر خطورة تتمثل في جلد الذات وتحميلها ما يفوق طاقتها مما يقلل من تقدير الذات، يشعر الفرد أنه لم يعد له الحق في حياة كريمة مرة أخرى، تتفاقم الأضرار في حال وجود الأطفال،الذين قد تتأثر نفسيتهم بسبب انفصال الوالدين، خاصة إذا لجأ أحدهما إلى النزاعات القضائية. ورغم الآثار السلبية للطلاق إلا أن له آثارا إيجابية، تتمثل في التخلص من جو المشاحنات والكراهية، وقضاء وقت الفراغ بأنشطة محببة كالقراءة وممارسة الرياضة، والبعض ينخرط في تكوين صداقات حقيقية، أما الأطفال فيشعرون بالراحة النفسية بعد الابتعاد عن الضجيج والصراعات بين الأبوين. وتضيف: لا شك أن طرفي الطلاق يعانيان من الآثار السلبية، وإن كانت المرأة في مجتمعاتنا الشرقية الأكثر تضررا لاتهامها بأنها السبب في الطلاق،يقع عليها اللوم والتأنيب، مما يفقدها ثقتها بذاتها،يجعلها ترغب في الزواج مرة أخرى بسرعة لتثبت للمجتمع أنها ليست امرأة فاشلة أو سيئة السمعة، لافتة إلى أن هذه الاتهامات تجعلها تقع في نفس الخطأ وتتعرض للطلاق مرة ثانية، أما إذا كان لديها أطفال فإنه يصعب عليها الدخول في علاقة عاطفية، تشعر بالمسؤولية الملقاة على عاتقها، تفكر كثيرا في المستقبل، تخاف مما يحمله لها من مفاجآت، مما ساهم في ظهور “السنجل مام” بكثرة.
وتؤكد أن الرجال سرعان ما ينسون طليقاتهم، ويخرجون مع أصدقائهم، ويدخلون في علاقة عاطفية جديدة والزواج، هربا من الشعور بألم الانفصال والإحباط والغضب، لكن تبدأ مشاعرهم الحقيقية في الظهور بعد فترة من الوقت، فيعانون من آلام الوحدة والفراغ حتى أن بعضهم يتخذ قرارا بتغيير مسكن الزوجية حتى لا تتداعى الذكريات من آن لآخر، كما يشعرون بحالة من التعاسة إذا ما كان هناك أطفال لا يعيشون معهم، فيأخذهم الحنين إلى حياتهم السابقة، بل ويفكرون في اصلاح الأمر بإعادة طليقاتهم مرة أخرى.
وتعتبر أن المرأة رغم مشاعرها الجياشة فإنها الأكثر قدرة على التعافي من الرجل لأنها تلجا لطلب النصيحة والفضفضة مع الأهل والصديقات، عكس الرجل الذى يشعر أن ذلك ينتقص من رجولته، يشعره بالفشل لدرجة تجعله لا يلجأ حتى لطلب المشورة النفسية من المختصين.
بدوره يقول الدكتور نبيل محسن، طبيب نفسي: يتهم الكثيرون الرجل بأنه لا يشعر بألم الفراق والانفصال، إلا أن الكثير من الدراسات النفسية، التى أجريت على الرجال المطلقين بأوروبا والعالم العربى، منها دراسة أجرتها مجلة صحة الرجال الأميركية، وجدت أن الرجال يشعرون بالألم النفسى الشديد بعد تخطى المرحلة الأولى من الطلاق، إذ تتنامى لديهم فوبيا الزواج مرة أخرى مما يعرضهم للاضطرابات النفسية أكثر من النساء.
يضيف: هناك أيضا دراسة أجريت في كلية الآداب، جامعة عين شمس، وجدت أن معظم الرجال الذين سبق لهم الطلاق يعانون من عدم القدرة على التكيف اجتماعيا،يخافون من خوض التجربة باعتبارهم رجال لهم ماض، كما يلجأون لكتمان مشاعرهم وعدم البوح بها،وإذا ما قرروا الزواج مرة أخرى فإنهم يعقدون المقارنات بين طليقاتهم وزوجاتهم، خاصة إذا كانت بينهم سنوات من العشرة الطويلة.
مــــن جانبهــــــا، تنصح استشاريـــــة العلاقات الزوجية سهى منصور، المطلقين بضرورة أن يواجهوا مشاعرهم السلبية بشجاعة، يطلقون العنان لآلامهم، يحترمونها، لا يحاولون كبتها، أن لا تزيد تلك الفترة عن معدلاتها الطبيعية حتى لا يصبحوا أسرى للذكريات السلبية.

You might also like