الآتي أعظمُ… استعدُّوا قبل أن تجدوا أنفسَكم خارج الزمن

0 504

كتب – أحمد الجارالله:

ما تسبَّب به فيروس “كورونا” يدفعنا إلى القول إن العالم يُغيِّر جلده كل قرن، وما يؤكد ذلك أن البشرية قبل مئة سنة، وبعد انتهاء حرب عالمية حصدت ملايين الأرواح، استيقظت على “الانفلونزا الإسبانية”، التي مات بسببها ما يزيد عن 60 مليون نسمة في مختلف أنحاء العالم، إلا أن البشر تعايشوا معها بعد فترة من الزمن، لكن لا يمكن نسيان أن ذلك تحول منذ العام 1920 نهضة اقتصادية كبيرة، بسبب إعمار أوروبا المهدمة، فكانت هناك بحبوحة بالعيش ووفرة مالية بين أيدي الناس الذين اتجهوا إلى الاستهلاك بكثرة إلى درجة أن بين عامي 1920 و1929 كانت مصانع السيارات تنتج سيارة كل عشر ثوانٍ.
في تلك المرحلة زاد الإقبال على اقتناء الأشياء الثمينة، وبناء القصور والبيوت، غير أن هذا الأمر تغيَّر مع النكسة الاقتصادية التي تعرَّضت لها الولايات المتحدة الأميركية في عام 1929، حين هوت أسعار البورصة وبدأ ما يُعرف بالكساد الكبير، أو “سنة الاكتئاب” كما أسماها الأميركيون، وذلك بسبب الهجمة على الربح السريع من خلال تجارة الأسهم، تحت ضغط حمى الاستهلاك.
الانهيار لم يقف عند حدود الولايات المتحدة، بل وصلت عدواه إلى القارة الأوروبية، وشهد العالم يومها أزمة مالية كبيرة، أدت إلى تغيير في المزاج الشعبي والاتجاهات السياسية، فظهرت التيارات المتطرفة، التي سهّلت وصول هتلر النازي إلى حكم ألمانيا، وموسوليني الفاشي في إيطاليا، كما تصاعد العداء لليهود وغيرهم من الأعراق، ما أدى بعد عشر سنوات إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية، وفيها أيضا سقط ملايين البشر قتلى، وتهدَّمت دول، إلى درجة أن أوروبا لم تكن قادرة على إعادة إعمار ما تدمر إلا بمساعدة أميركية، وفي تلك المرحلة وضع الحلفاء المنتصرون، أيضا، مشروع الدولة اليهودية في فلسطين على النار سعياً منهم إلى حل تاريخي للأزمة الأوروبية مع اليهود.
بعد الحرب، ومع مشروع مارشال بدأت نهضة اقتصادية جديدة، وتوسعت القطاعات الإنتاجية التي كانت بحاجة ماسة إلى الطاقة فازدهرت صناعة النفط، لاسيما في الخليج العربي، وساعد ذلك على تغيير المنطقة، لتشهد رخاءً مالياً كبيراً تُرجم بتغيير أسلوب الحياة، كما بدأت مشاريع التطوير في الكويت والمملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج، تتكاثر، حتى إن هذه الدول لم تتأثر كثيراً بالحرب العالمية الثانية.
في الأزمة الحالية، ثمة كثير من الأسباب الداعية إلى التفاؤل، إذ رغم الخسائر الكبيرة، على كل المستويات، وفي ظل عدم التوصل إلى لقاح لـ”كورونا” المستمر بحصد الأرواح، إلا أن هناك إرهاصات لتغيير نحو الأفضل. صحيح أن الثمن قد يكون باهظا، لكن متى لم تدفع البشرية تلك الأثمان مع كل منعطف تمر فيه؟
منذ بداية تفشي الوباء عالمياً نشاهد تغييرات على مستوى العلاقات الدولية، واصطفافات جديدة، وتحالفات اقتصادية مختلفة، حتى إن المجتمعات بدأت تبحث عن أمانها عبر الاعتماد على نفسها، كما أن هذا الفيروس غير المنظور، جعل الأفراد يُبدِّلون أساليب عيشهم وطرق إنفاقهم، لكن رغم هذا فإن التغيرات التي انتهت إليها أزمات الأمس لن تكون متغيرات اليوم نسخة طبق الأصل عنها، فلن يكون هناك سقوط للامبراطوريات، كما هي الحال مع السلطنة العثمانية، ولا تقسيم للعالم العربي، على غرار”سايكس- بيكو”، أو حروب دينية، ولن يكون، أيضاً، على هذا الكوكب هتلر او موسوليني آخر.
لا شك أنَّ العلاقات الدولية آخذة في التغيُّر، وبات لتكنولوجيا الطب والصحة مساحة أكبر من الاهتمام الإنساني، وهذا يجعلنا أقرب إلى القول: الآتي أعظم، لذلك استعدوا قبل أن تجدوا أنفسكم خارج الزمن.

You might also like