حوارات

الأتاراكسيا: تَخَلَّص من القلق والْهَمْ والغَمْ حوارات

د. خالد عايد الجنفاوي

د. خالد عايد الجنفاوي

أكّد أساتذتنا الرواقيّون، وبخاصة الامبراطور الروماني والفيلسوف ماركوس اوريليوس، أنّ الانسان سيتمتع بالسعادة الحقيقية وبالطمأنينة عن طريق التزامه المتواصل بالاستقامة الاخلاقية وبالفضيلة، وعن طريق تحرره الطوعي من الانغماس المفاجئ في الإفراط العاطفي وبامتناعه المستمر عن الانقياد السهل خلف فوضوية السلوكيات والتصرفات التي تحدث حوله، ما سيؤدي به لاحقاً إلى الوصول إلى حالة السكينة الروحية والطمأنينة التي يستحقها الانسان السوي والعاقل والمُنضبط أخلاقياً. وسرد اوريليوس كثيراً من نصائحة الذهبية في كتابه «التأملات» شدد فيها على أهمية الالتزام بالحكمة وبالعقلانية وبالرزانة وبالوسطية وبالاعتدال، وبضبط النفس في كل الاوقات، وشدد كذلك على أهمية اللامبالاة بالقلق وبالهموم وبالغموم، وبخاصة ما يشغل ويُؤَرِّقُ فكر الانسان بسبب تعرضه، رغماً عنه، للتأثيرات السلبية لأقوال ولسلوكيات ولتصرفات الآخرين حوله،وبالطبع، ليس بالضرورة أن تشير اللامبالاة في هذا السياق إلى عدم اكتراث المرء المستقيم أخلاقياً بما سيدور وسيحدث حوله في كل الاوقات، أو أنّ ذلك سيؤدي إلى تجريده من انسانيته وعطفه وشفقته على المحتاجين، ولكن تشير اللامبالاة، وفق مبادئ الفلسفة الرواقية، إلى توقف الانسان العاقل عن محاولة تغيير أوضاع أو تعديل أخطاء بشرية خارجة عن إرادته، وتفضيله بدلاً عن ذلك السعي الحثيث نحو الحصول على الطمأنينة، والتخلص من الاضطرابات النفسية المستوردة، والتي تُسببها أفعال وتصرفات ليست تحت سيطرته، وسيؤدي التخلص التدريجي من ذلك الاهتمام المبالغ في الشؤون الخاصة بالآخرين، إلى تكريس مهارة ضبط النفس، والحفاظ على سلامة العقل في أي بيئة تكثر فيها الاقوال والتصرفات اللاعقلانية، وستؤدي اللامبالاة بالهموم المفبركة إلى تنقية العقل من شوائب الخزعبلات والانطباعات المشوهة، وتخليصه من ترهات الفرضيات والافتراضات الفكرية المزيفة، وأعترف شخصياً أنني أميل أغلب الاحيان لعدم الاكتراث بالمخاوف وبالقلق المُفبرك، حيث أدركت مُبكراً أنّ أغلب الهُموم والآرق الفكري الذي يعانيه الانسان في عالم اليوم ربما تنبع أغلبيته من اهتمامه المُبالغ بشؤون الآخرين، واهماله في نفس الوقت حالته النفسية، وحيث ينغمس بعض العفويين في مواساة مبالغة لمن هم حولهم، بسبب تصرفاتهم وقرارتهم الشخصية الحمقاء والطائشة.

كاتب كويتي
@aljenfawi1969