الأحواز… يا عرب

ثمة قضية عربية عادلة لا يمكن بأي حال من الأحوال استمرار التعاطي معها باللامبالاة والنسيان، وهي دولة الأحواز العربية المحتلة منذ العام 1925، التي كانت تتمتع باستقلال تام منذ العام 1857.
هذه القضية كانت الاختبار الأول في مدى قدرة العرب على الدفاع عن استقلالهم، إلا أنَّ تخليهم عن هذه الدولة, الغنية، مهد الطريق لتحقيق وعد بلفور البريطاني بـ”دولة يهودية على أرض فلسطين”، وربما لولا المعادلات الدولية المستجدة بعد الحرب العالمية الأولى وتوازنات القوة لكانت هناك دول عربية أخرى أُدرجت على قائمة الضياع والاحتلال.
الأحواز قضية عادلة كانت، ولا تزال, حاضرة في الوجدان الشعبي العربي رغم أنها مغيبة عن التفكير الرسمي، وقد أعاد رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور التذكير بها قبل أيام في تصريح متلفز، عبر مطالبته جامعة الدول العربية بتخصيص مقعد لهذه الدولة المحتلة، والسعي لدى المجتمع الدولي للاعتراف بها.
خلف الحبتور من الشخصيات المعروفة على الساحة الدولية، وهو يحمل ثقافة سياسية واسعة، وعارف بدهاليز العلاقات الستراتيجية، وحين يعيد التذكير بهكذا قضية، فهو يدرك تماما ماذا يعني ذلك.
العرب الذين أهملوا هذه القضية التاريخية دفعوا الثمن على مراحل في فلسطين، وفي دول أخرى التي شهدت منذ العام 1948 العديد من الانقلابات والثورات والتدخلات الأجنبية والحروب الأهلية، ولو كانوا منذ البدء لم يتخلوا عن القضية الأحوازية وخصصوا لها مقعدا في جامعة الدول العربية منذ تأسيسها ربما تغير الوضع في المنطقة، ولما وصفوا ـ كما أثبتت التجارب والأحداث ـ بأنهم أكثر المحامين فشلا في الدفاع عن قضاياهم العادلة.
ورغم ذلك، فإن الوقت لم يفت بعد، ويمكن جعل القضية الأحوازية خط الدفاع الأول في مواجهة التدخلات الإيرانية بالمنطقة، فإذا كان نظام الملالي يزعم أنه المعني بالدفاع عن الشيعة العرب، أي اللعب على الوتر الطائفي وإثارة النعرات التي افتعلها من أجل تحقيق فكرته “توسيع نطاق الهيمنة من خلال ما سمي تصدير الثورة” فإن الأحواز بوصفها منطقة عربية تضم شيعة وسنة, يشكل تبني قضيتها المسمار الأخير في نعش هذا المشروع ويسقط مزاعمه.
ربما يتصور البعض أن الرد على التدخلات الإيرانية يجب أن يكون على أساس طائفي، وهذا يعني العمل كما يريد نظام الطواويس الملالوي، فيما الصواب هو أن يكون الرد عربيا قوميا خالصا، لأن مزاعم الملالي بنيت على أوهام ما أسموه “المظلومية الشيعية” غير الموجودة أصلا في التاريخ، فالدول العربية كافة تنظر إلى مواطنيها بعين المساواة، وجميعهم يحصلون على الحقوق ذاتها، وتتاح لهم الفرص، أكانت سياسية أو تعليمية أو اقتصادية، ولذلك لم تكن المصطلحات التي يستخدمها بعض الطائفيين، أكانوا من السنة أو الشيعة، موجودة قبل العام 1979 حين أعلن الخميني مصطلح “تصدير الثورة” أو “رفع المظلومية عن الشيعة العرب” فيما هم يتعرضون، إذا زاروا إيران لأبشع أنواع التمييز العنصري والعرقي.
اقتراح الحبتور يجب أخذه بجدية من قبل الدول العربية التي ضيعت الكثير من فرص التصدي للمشروع التوسعي الفارسي، ولا يكون مجرد ردة فعل، فإيران الخمينية لم تختلف عن إيران الشاهنشاهية في ما يتعلق باحتلال الجزر الإماراتية الثلاث، ولا في التوسع باتجاه العراق وقضم بعض مناطقه الحدودية، وحتى في الحدود البحرية والجرف القاري لا تزال تسعى إلى توسيعه والاستحواذ على الحقوق الكويتية والسعودية، مستغلة الصمت العربي على ممارساتها، فيما هي تنشر عصاباتها التخريبية في عدد من دولنا، ويتفاخر قادتها باحتلال أربع عواصم عربية، فهل يدرك المعنيون عندنا ماذا يعني هذا التبجح أم ينتظرون كي يروا دبابات الحرس الثوري تجوب شوارع عواصمهم حتى يشعروا بحجم الخطر؟

أحمد الجارالله