محبرة وقلم

الأرق عند الشعراء «وأرقني بالري نوح حمامة» محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

عندما يعاني المرء من الأرق، يمتنع عليه النوم، ويبيت بليل طويل، يتقلب في فراشه تقلب المريض، والأرق مبعث الهم والغم، والحزن والشجن، فالأرق يصاحبه القلق، وربما يكون الأرق لداء في الإنسان، سبب له السهر فيقول: بت أرقاً طوال الليل، والأرق في اللغة: اسم وهو مصدر: أرق، كثير من الشعراء بدأوا بالأرق في أشعارهم وجعلوا منه مقدمة لمعاناتهم، فهذا أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب (ت 20 هـ) يرثي ويبكي ابن عمه سيد الخلق، وصفوة المرسلين، محمد بن عبدالله «عليه أفضل الصلاة والتسليم» فيقول:
«أرقت» وبات ليلي لا يزول
وليل أخو المصيبة فيه يطول
وأسعدني البكاء وذاك فيما
اصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبتنا وجلّت
عشية قيل قد قبض الرسول

بدأ بالأرق قبل كل شيء، ثم ذكر ما لحق الأرق من حزن شديد أفضى الى البكاء
صار الأرق مفتاحاً لما بعده، وهذا أبو الطيب المتنبي «ت 354هـ) يصور لنا الأرق تصويراً بليغا فيقول وقد أبدع:
«أرق على ارقٍ ومثلي يأرق
وجوى يزيد وعبرة تترقرق
جهد الصبابة أن تكون كما أرى
عين مسهدة، وقلب يخفق

لقد سبب الأرق للمتنبي الجوى، وهو شدة العشق، وعندما يكون العشق شديداً، يثير الحزن الذي يؤدي الى البكاء، فهو في غاية الشوق لحبيبه، وجهد الصبابة، تعني: رقة الشوق والمشقة، اما من أرق لفراق وطنه وأهله وأبنائه فأرقه أشد، و معاناته أكبر ويظهر ذلك في قول: عوف بن محلم الخزاعي حيث يقول:
«وأرقني بالري نوح حمامة
فنحت وذو الشجو الحزين ينوح»
هذا البيت من الأبيات السائرة وله قصة وأما الري التي ذكرها ابو المنهال، فهي مدينة من مدن إيران حاليا وهي قريبة من العاصمة طهران، كانت قبل الاسلام تابعة للأمبراطورية الفارسية ثم افتتحها القائد المسلم: نعيم بن مقرن المزني، في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب «رضي الله عنه»
وفي مدينة الري ولد أشهر خليفة عرفه التاريخ الاسلامي هارون الرشيد (149-193هـ) وينسب إليها ايضا الطبيب العربي المسلم فخر الدين الرازي (544-606هـ) اما عوف بن محلم الخزاعي صاحب البيت فليس من أهل الري، وانما ذهب اليها مع الأمير العباسي الشهير طاهر بن الحسين الخزاعي (ت207هـ) وعوف هذا من العلماءالشعراء الرواة اختاروا طاهر بن الحسين نديما له، لا يكاد يفارقه لشدة اعجابه به، فبقى معه ثلاثة عشرة سنة لا يفارقه، وقد استأذن الأمير طاهر كثيرا بالعودة الى وطنه الا انه لم يأذن له فظل معه حتى توفي وتولى امارة خراسان ابنه عبدالله بن طاهر بن الحسين (ت 230هـ)فظن انه يستطيع اللحاق بأهله ووطنه، ولكن الأمير الجديد قربه أكثر وأنزله منزلة أبيه. وأغدق عليه المال، ولم يسمح له بالعودة، ثم سافر عبدالله بن طاهر الى بغداد وجعل عوف بن محلن عديله على
راحلته يحادثه ويسامره الى ان دنا من مدينة الري، فسمع الأمير صوت عندليب فأعجب به والتفت الى عوف فقال له: يابن محلم هل سمعت قط أشجى من هذا الصوت؟وأطرب منه؟ فقال: لا والله أيها الأمير، إنه لحسن الصوت، شجي النغمة مطرب التعريد، فقال الأمير عبدالله: قاتل الله أبا كبير الهذلي حيث يقول:
« ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر
وغصنك مياد ففيم تنوح؟
أفق لا تنح من غير شيء فأنني
بكيت زمانا والفؤاد صحيح
ولوعاً فشطت غربة دار زينب
فها أنا أبكي والفؤاد قريح»
فقال ابن محلم: أحسن والله أبو كبير وأجاد، فقال الأمير عبدالله: سألتك بحق أبي طاهر، إلا اجزت شعره فأنشأ عوف يقول:

«أفي كل عام غربة ونزوح
اما للنوى من ونية فتريح
لقد طلح البين المشت ركائبي
فهل ارين البين وهو طليح
وأرقني بالري نوح حمامة
فنحت وذو الشجو الحزين ينوح
على انها ناحت ولم تذر دمعة
فنحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما
ومن دون أفراخي مهامة فيح
عسى وجود عبدالله ان يعكس النوى
فيلقى عصا التطواف وهو طريح»

فبكى الأمير عبدالله بن طاهر ورحمه وأذن له بالعودة الى أهله بعد سنين من الغربة، وعوف هذا من قرية رأس العين، من أهل حران، شمال العراق، ولد «136هـ» وهو مشهور في العصر العباسي الأول صاحب اخبار ونوادر ومعرفة بأيام العرب، عالما فقيها اديبا فصيحا، وله اشعار في فنون عدة منها: المديح والغزل والفخر والأدب، وهو القائل في مدح عبدالله بن طاهر واجداده.
«بنو مصعب للملك في السلم زينة
وفي الحرب دون الملك بيض بواتر
وحول رواق الملك من آل مصعب
ليوث لأعناق الليوث هواصر»
وأشهر ما قاله على الإطلاق قوله للأمير طاهر بن الحسين، وقد رآه في حراقته «سفينته» متوجهاً الى الخليفة عبدالله بن المأمون:

«عجبت لحراقة ابن الحسين
كيف تسير ولا تغرق
وبحران من تحتها واحد
وآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عيدانها
وقد مسها كيف لا تورق»

جف القلم ونشفت المحبرة، في آمان الله

كاتب كويتي
Meshalaseed112@gmail.com