الأزمة والبديل

0

عندما سألت ملكة فرنسا ماري إنطوانيت عمَّا يريده الشعب الفرنسي وهو يثور بوجه الملك لويس السادس عشر، فأجابوها بأنهم يريدون الخبز، قالت : ولم لايأكلون الكعك؟! هذه الاجابة دلت في وقتها على مدى ابتعاد الحكم القائم في فرنسا وقتئذٍ عن هموم ومعاناة الشعب الفرنسي، وأثبتت في نفس الوقت ضرورة وحتمية الثورة الفرنسية ضد نظام سياسي يعيش كعالة وكمتطفل على الشعب، وإن التصريحات والمواقف السياسية التي أعرب عنها المرشد الاعلى الايراني- وهو رأس هرم الحكم وأساسه- تبدو في سياقها العام أشبه ماتكون بموقف ماري إنطوانيت.
خامنئي ،الذي يمارس كذبا غير عادي وعلى المكشوف عندما يزعم بأن العقوبات لن تؤثر على الشعب الايراني ، وإنه ستتم مواجهتها والتغلب عليها، يتصرف كما لو أن أوضاع الشعب عادية وليس هناك مايمكن أن يثير التوجس والقلق، متجاهلا وعن قصد الاحتجاجات الشعبية المندلعة بوجه النظام منذ 28 ديسمبر 2017، والتي تدعو لإسقاط النظام، كما إنه يتجاهل أيضا تصاعد دعوات ومطالب من داخل النظام نفسه بعزله ومحاسبته بسبب ما آلت اليه الاوضاع خلال 3 عقود من”مرشديته”.
من الخطأ التصور بأن خامنئي قد انحرف عن نهج النظام وسياساته المتطرفة ، وتسبب بذلك بإيصال الاوضاع الى ما هي عليه الان، بل إنه كان أمينا وعمل كل ما بوسعه من أجل السير بأمانة على ذلك النهج، إذ إن النظام قد قام أساسا على ثلاث ركائز هي قمع الشعب في الداخل، تصدير التطرف الديني والارهاب والتدخلات في بلدان المنطقة والسعي للحصول على أسلحة الدمار الشامل، ولاغرو أن خامنئي كان أمينا ووفيا بهذا الخصوص، ففي عهده بلغ تصدير التطرف الديني والارهاب ذروته، ووصلت تدخلات النظام في المنطقة الى أوجها، كما إن قمع الشعب الايراني قد تجاوز كل الحدود والمقاييس ناهيك بأن المساعي المحمومة للحصول على أسلحة الدمار الشامل وتجارب الصواريخ الباليستية قد وصلت الى درجة باتت تهدد السلام والامن والاستقرار في المنطقة والعالم، ولذلك فإنه ليس هناك من انحراف أو خروج على نهج الخميني ،بل إن خامنئي كان مخلصا له والى أبعد حد، لكن الخطأ كان ولايزال وسيبقى في النهج نفسه.
خامنئي والراحلان رفسنجاني وبهشتي، كانوا من أقرب المقربين للخميني وأكثر التصاقا به وفهما له ولمايدعو إليه، ولو تم التشكيك في خامنئي فإن ذلك بمثابة التشكيك في النهج نفسه، ولكن المشكلة وكما أسلفنا في النهج نفسه، فهو لايصلح وثبت من خلال تجربة 40 عاما فشله وعدم تمكنه من الإيفاء باحتياجات ومتطلبات الشعب الايراني، وهذه حقيقة مرة يحاول القادة والمسؤولون الايرانيون التهرب منها بطرق مختلفة وإلقاء تبعات وأسباب فشل النظام على أمور أخرى لاعلاقة لها بالموضوع، لامن قريب ولامن بعيد.
فشل النظام وعجزه ووصوله الى طريق مسدود، صار جليا وواضحا للعالم على إثر انتفاضة 28 ديسمبر 2017، عندما أعلن خامنئي وبعد 13 يوما من الانتفاضة بأن منظمة “مجاهدي خلق ” تقف خلف الانتفاضة وهو اعتراف ردده من بعده قادة ومسؤولون إيرانيون آخرون، وأكدوا عليه، وهذا الاعتراف الخطير أعاد للمشهد واقع الصراع المرير الجاري بين النظام وبين المنظمة منذ البداية، بل إن الذي جعل أنظار المراقبين السياسيين تتركز أكثر على هذا الصراع، هو العملية الارهابية التي حاولت المخابرات الايرانية القيام بها ضد التجمع السنوي العام للمقاومة الايرانية في باريس حيث كان العقل المدبر لها السكرتير الثالث للسفارة الايرانية في النمسا والذي تم اعتقاله في ألمانيا، بالاضافة الى مطالب رسمية إيرانية للحكومة الفرنسية بمنع نشاطات وفعاليات منظمة “مجاهدي خلق” الى جانب حملات إعلامية داخلية تحذر من دور ونشاط المنظمة، وإن اقتران الانتفاضة والاحتجاجات التي باتت مستمرة من بعدها وأزمة النظام ودعوات عزل ومحاكمة خامنئي، مع بروز دور المنظمة على الساحة الايرانية وصيرورتها رقما صعبا في المعادلة السياسية الايرانية، يشرح وبكل وضوح مايتم تأكيده بأن منظمة “مجاهدي خلق “تعتبر بديلا سياسيا للنظام.
لماذا يمكن اعتبار منظمة “مجاهدي خلق “بديلا للنظام؟ طوال 4 عقود لم يوجه القادة والمسؤولون الايرانيون أية تهمة لأي طرف سياسي وبصورة مستمرة ،كما كان الحال مع منظمة “مجاهدي خلق” كما لم تقم أية جهة إيرانية معارضة بالنشاطات والفعاليات المستمرة التي قامت بها المنظمة، ولم يقدم أي طرف في المعارضة الايرانية ضحايا وقرابين وصلت الى حد 120 ألف فرد، مثلما حدث مع المنظمة، ولم يكن هناك طرف سياسي ظل واقفا بوجه النظام ويواصل النضال ضده كما فعلت وتفعل المنظمة . والأهم من ذلك كله لم يكن هناك من طرف سياسي إيراني معارض قام النظام الايراني بالمساومة ضده مع دولة مثل أميركا ، وجعلت إقامة أية علاقة معه من ضمن شروط النظام للعلاقات السياسية والاقتصادية، كل ذلك وأمور أخرى كثيرة لامجال لذكرها في هذا المجال الضيق، تؤكد حقيقة أن المنظمة تعتبر بديلا للنظام وليس مجرد فرضية أو احتمال كما يوحي البعض من أجل الانتقاص من دور المنظمة ومكانتها.

كاتب وصحافي عراقي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

أربعة عشر + 7 =