الأسرى الكويتيون … قرائن جديدة (3)

0 18

باسل محمد

وفق احصاءات هيئة المفقودين الكويتيين، يوجد 605 مفقودين أو اسرى أغلبيتهم الساحقة من المواطنين الكويتيين، وقليل من جنسيات عربية مقيمة بالكويت، والأسئلة المهمة في هذا الملف: لماذا لم يحافظ نظام صدام حسين عليهم أحياء، من كان مسؤول عنهم، الأمن العام أو جهاز المخابرات العامة أو جهاز أمني خاص؟
بالنسبة لجهاز الأمن العام، كان يرأسه خلال السبعة اشهر، وهو عمر الغزو العراقي للكويت، عبد الرحمن الدوري، وهو اصبح فيما بعد محافظاً للنجف، المدينة الشيعية المقدسة في العراق، ويقال إن الشخصية دخلت فجأة بعد تحرير الكويت في خلافات مع صدام الذي عزله، وبقي الدوري تحت الإقامة الجبرية لحين وفاته، أواخر تسعينات القرن الماضي، وعمره لا يتجاوز 55 عاماً، ووصفت وفاته بالغامضة، أي تمت في ظروف غامضة، ولم يكن يعاني من أي مرض.
بالتالي اذا كان الدوري، وهو رئيس جهاز الأمن الداخلي، مطلعاً على ملف الأسرى الكويتيين ومصيرهم، فلا يمكن استبعاد فرضية أنه قتل لأنه يعرف حقائق هذا الملف، اما بالنسبة لجهازي المخابرات العامة برئاسة سبعاوي ابراهيم التكريتي، والأمن الخاص برئاسة قصي صدام حسين خلال الغزو العراقي، فالجهازان مستبعدان الى حد كبير عن موضوع الأسرى لسبب وجيه، وهو أن لكل منهما مهمات تتعلق بسلامة نظام صدام حسين، ومكافحة أي خطر من داخل النظام أو خارجه على مستوى أفراد و دول.
عودة الى فرضية مسؤولية الأمن العام برئاسة الدوري، وهي الأكثر ترجيحاً، بمعنى الأسرى نقلوا من داخل الكويت الى سجون تابعة للجهاز في بغداد أو شمال وغرب بغداد، وليس الى سجون جنوب العراق، لأن التقليد المتبع في دولة صدام اي شخص غير عراقي يتم احتجازه في العاصمة العراقية، أو في سجون شمال أو غرب العاصمة التي تدار من مسؤولين أمنيين من المكون السني المقرب للنظام، وهي معلومة، قلة من العراقيين والعرب يعرفونها.
من العام 1991 لغاية نيسان(ابريل) 2003، أنكرت الدولة السياسية المتخلفة في العراق، وجود اي أسير او مفقود أخذ من دولة الكويت، كما انها طرحت فرضية فقدان أثرهم خلال عملية تحرير الكويت، واشارت الى فرضية أنهم قتلوا أثناء الفوضى التي عمت المحافظات الجنوبية العراقية بعد التحرير فوراً، وسميت في حينها “الانتفاضة الشعبانية” التي قمعها نظام صدام بوحشية، كما قيل من طرف نظام صدام حسين أن فرضية خطف الأسرى الكويتيين الى ايران، أيضاً واردة.
بنظرة سياسية، لا يمكن لإيران أن تتورط في ملف خطف أسرى كويتيين من العراق لأن لا معنى لعملية الخطف ما لم تكشف طهران عن الأسرى وتفاوض الكويت عليهم لاعتبارات سياسية، كما أن تورط ايران بخطفهم جريمة دولية قد ينشأ عنها صدور قرارات مجلس أمن دولي، وبالتالي ايران في غنى عن هذا العمل برمته، وبالمحصلة فرضية خطفهم الى ايران، مستبعدة الى حد كبير جداً.
من الفرضيات التي طرحت أن بعض جماعات المعارضة العراقية التي دخلت بعد سقوط نظام صدام العام 2003، شكلت مجموعات مسلحة خاصة للبحث عن الأسرى الكويتيين في السجون العراقية التي تعرضت للفوضى بعد سقوط النظام، ومن بين ما تم تسريبه أن مجموعات من حزب “المؤتمر الوطني” بزعامة أحمد الجلبي التي دربها الأميركيون، كانت متحمسة لمعرفة مصير الأسرى الكويتيين بهدف التفاوض عليهم مع دولة الكويت، لكن هذه المجموعات لم تعثر على أي أسير.
استناداً الى طريقة تفكير نظام صدام حسين، هو ليس من النوع الذي يؤمن بالتفاوض أو يحسب حسابات ذكية لأي عملية تفاوض في المستقبل، أي أنه يستعمل التفاوض على الأسرى الكويتيين لتحقيق مصالح أو غايات، هو نظام لا يعترف بالتفاوض كوسيلة سياسية، والسؤال: لماذا قرر نظام صدام التخلص من الأسرى الكويتيين أو تصفيتهم بشكل تدريجي، ومتى حصل هذا الموضوع، خلال احتلال الكويت أو عشية تحرير الكويت أو بعده بقليل؟
المعلومة الجديد والمهمة للغاية هي معلومات من داخل الوسط العائلي لصدام حسين، وبالتحديد من رافع عبد اللطيف طلفاح التكريتي الذي تولى جهاز الأمن الوطني من العام 1997 لغاية العام 2003، اي لغاية سقوط النظام. وللعلم، رافع متزوج من امرأة فلسطينية من عائلة ثرية من بغداد، وهي معلومة قلة من المعنيين يعلمون بها ،وهو لازال متوارياً عن الأنظار ومطلوباً للحكومة العراقية، و تتضمن المعلومات أن الأسرى الكويتيين قسموا الى مجموعتين، مجموعة من 300 وأخرى من 305، وقد احتجزوا جميعاً في سجنين فقط، واحد داخل بغداد و الاخر في ضواحيها شمالاً، بمعنى أي فرضية لتصفيتهم معناها أن العملية تمت في بغداد بعيداً عن الفوضى في جنوب العراق عقب تحرير الكويت، بالطبع بنزعة انتقامية بسبب هزيمة جيش صدام في الحرب. كما أن مكان احتجازهم في بغداد يدل على أنه تم الاحتفاظ بالأسرى حتى 28 فبراير العام 1991، اي بعد تحرير الكويت بفترة قصيرة.
بربط تصفية الأسرى و توقيتها، رئيس جهاز الأمن العام العراقي عبد الرحمن الدوري كان على علم تام بمصير الأسرى أو القرار الذي اتخذ بشأنهم، ولذلك تم اقالته ثم فرضت عليه اقامة جبرية ثم وفاته بظروف غامضة بعد ستة أو سبعة أعوام من تحرير الكويت.
اللافت أنه تم فرض الاقامة الجبرية على الدوري وهو اسلوب نادراً ما يتبعه نظام صدام حسين في التعامل مع معارضيه من داخل النظام، فإذا كان الموضوع يتعلق بخيانة وطنية، يتم اعدامه فورا، لكن في حالة الدوري، الأمر لا يتعلق بخيانة، بل بخلاف على ملف مثل الأسرى، اذ ربما عارض تصفيتهم واقترح استخدامهم بالتفاوض.
بعد نيسان العام 2003، ينقل عن ربيع العدساني، وهو نائب رئيس لجنة الأسرى الكويتيين، أنه جاء الى العراق بعد هذا التاريخ مباشرة وكله تفاؤل بان يعثر على اثر احياء من الأسرى الكويتيين، لكن أمله لم يتحقق ومنذ العام 2004 لغاية العام 2018، لا توجد اي معلومات حول مصير الأسرى.
التطور المهم حصل في العام 2017 بعد نقل ملف الأسرى الكويتيين من وزارة حقوق الإنسان الى وزارة الدفاع العراقية، أملاً أن يسهم الجيش العراقي في العثور على مقبرة جماعية تضم رفاتهم، ما يرسل بالحد الأدنى، رسالة سكينة لذويهم بعد 28 عاماً من غيابهم الذي أوجع الكويت بأسرها.
الغزو و العلاقات العربية الخليجية
لا يمكن بأي حال من الأحوال، فصل موضوع الغزو عن العلاقات بين دول الخليج العربية وبين بقية دول العالم العربي في إطار ما يسمى العلاقات العربية- الخليجية، لأن بعضها تأثر سلباً مع انهيار العلاقة بين العراق وجيرانه دول الخليج.
منذ أمد طويل، كانت هذه العلاقات تمر بفترات فتور وشك كما حصل ابان حكم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي كان يقود المد القومي للوحدة العربية بطريقة سياسية بحت، وبخطاب عاطفي شديد، ما أدى
الى بعث رسائل قلق الى دول الخليج الثرية بمصادر الطاقة.
في الوقت الحالي، التوترات في العلاقات العربية- الخليجية دخلت مرحلة من التصعيد بسبب الحرب الأهلية
في سورية والتدخل الإيراني في هذا البلد العربي، كما ان حرب اليمن، وترت العلاقات العربية- الخليجية في قسم منها.
من الناحية السياسية، العلاقات الخليجية العربية مثل العائلة المكونة من أفراد اثرياء وأفراد فقراء، وبالتالي جزء مهم من الحساسيات تتعلق بهذا التفاوت المادي، رغم أن الخليج يوفر وظائف لدول عربية عديدة، ويدعم مشاريع تنمية في دول عربية أخرى، لكن يبقى هذا التفاوت يلقي بظلاله على الفهم النفسي للمجتمعات العربية التي تتأثر بصورة كبيرة بالموقف والرؤية السياسيين، والأهم تتأثر بغياب نظام القيم الجميل، لأن السياسيين لا يعيرون أي اهتمام ببلورة مثل هذه القيم في مجتمعاتهم، وغالباً ما يشحنون الجماهير بأفكار وحدوية للعرب عبر القوة.
بالنسبة للغزو العراقي لدولة الكويت، ورغم أن العراق من الدول العربية النفطية الثرية، كانت لدى النظام السياسي السابق، مواقف عدائية لجهة النظرة المادية ونظرة التفاوت المادي بين عرب الخليج والعرب الآخرين. بدليل أن الدولة السياسية في العراق كانت تربط تبعية الكويت لها في أدبياتها السياسية بما بحوزة الكويت من ثروات نفطية وكان يقال في المواقع المهمة لحزب البعث الحاكم ان نفط الكويت للعراق رغم ما لديه من نفط هائل.
أيضاً، اذكر في الدولة السياسية المتخلفة في ليبيا بزعامة معمر القذافي، كانت لديها مواقف ثورية ضد دول الخليج و نفطها ومواردها، رغم أن ليبيا دولة نفطية ثرية، وكان مستوى دخل المواطن الليبي متقارب مع دخل الخليجي.
بنظرة واقعية، القسم الأكبر ممن تعاطفوا مع الغزو كان ذلك بسبب النظرة المادية والتفاوت المادي بين دول الخليج وبقية الدول العربية، في مصر وسورية بالتحديد كانت المواقف الشعبية ليس بقوة الموقف الرسمي أثناء الغزو، بمعنى كان الموقف الرسمي أكثر قرباً الى دول الخليج منه الى الموقف الشعبي العام لأن مشكلات الفقر والبطالة عميقة في الحياة العامة للمنطقة، وبالتالي مسألة التفاوت المادي مع الآخرين، تملي اشياء غير صحيحة على الحالتين النفسية والعقلية للشعوب.
وبصورة مؤكدة، الغزو شكل نقطة فارقة في تاريخ العلاقات الخليجية- العربية لأن للمرة الاولى تعتدي دولة عربية كبيرة مثل العراق على دولة خليجية بالهجوم العسكري الواسع، ثم تعلن ضمها اليها، ولذلك لا يمكن تصور حجم الشكوك والهواجس والمخاوف التي تعرضت لها علاقات دول المنطقة مع بعضها بسبب هذا الغزو.
في تجربة الغزو، اصبحت اولوية دول الخليج، مواجهة التهديد العراقي وليس التهديد الإيراني، كما أن الموقف السياسي الرسمي في ايران بدا متهكماً على العالم العربي الذي صدق نظرية صدام حسين في موضوع الخطر الفارسي، فالخليج كان يتوقع الخطر من البعيد الإيراني عبر البحر، فإذا به يأتي من القريب العراقي عبر البر.
وعلى مستوى الرأي العام العراقي، ورغم مرور نحو ثلاثة عقود، لازال هناك من يطلق تصريحات بأن الكويت للعراق، كما أن الاحتجاجات الأخيرة في الجنوب التي بادرت خلالها الكويت الى تقديم مساعدات تقنية لتخفيف بعض مشكلات الخدمات الأساسية للعراقيين الا أن بعض الأصوات، وبينهم محافظ البصرة المحاذية لحدود الكويت، قلل من الموقف الجميل للحكومة الكويتية في التخفيف من حدة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.
رغم مرور كل هذا الوقت على الغزو، لايزال كثر في الشارع العربي يترحمون على قائد عربي لا يملك الحد الأدنى من الذكاء والقيم الجميلة، وهو صدام حسين، لأن الشعارات القومية والوطنية ليست هي القيم والذكاء كما تتوهم الجماهير في المنطقة وكما تروج الأيديولوجيا السياسية العربية.
بنظرة ستراتيجية، الغزو العراقي للكويت، هو وراء توقيع اتفاقية الدفاع المشتركة لدول “مجلس التعاون” الخليجي في 21 يناير العام 2000 في مملكة البحرين، اي بعد 10 أعوام على الغزو، بمعنى انتقال التفكير السياسي خليجيا الى مسألة الأعتماد على الذات، وفي تشكيل القوة العسكرية، وفي اقتناء الأسلحة الحديثة، ولذلك الخطر في اليمن على سبيل المثال، تم التصدي له بقدرات خليجية ذاتية بصورة رئيسية الى جانب وجود دعم ما من دول عربية أخرى، كمصر و السودان والمغرب، كما تم التصدي للاضطرابات الداخلية في البحرين المدعومة من ايران بقوة تدخل عسكرية من دول “مجلس التعاون” أي أن الخليج صار يتولى أمنه بنفسه.
بعد العام 2011 وخلال اندلاع ثورات الربيع العربي، لم تتخذ دول خليجية عديدة موقف الحياد أو الترقب، بل تدخلت في ليبيا ومصر وسورية و اليمن أي بادرت الى التحرك لأن تجربة الغزو العراقي للكويت العام 1990، حضتها على بناء ستراتيجيات تدخل وقائية، وتحديد ما هو الخطر المحتمل للخليج، ومن هو الحليف المحتمل رغم أن هذه الستراتيجيات، تسببت بمشكلات بين السعودية و الامارات من جهة و قطر من جهة ثانية فيما بعد.
بمعنى، ان الغزو العراقي للكويت، غير السياسات الخارجية و الدفاعية والأمنية لمنظومة العمل داخل “مجلس التعاون” الخليجي على اعتبار أن الخطر يمكن أن يأتي من اي وجهة.
المثير، أن تجربة الغزو صارت ثقافة في المنطقة، لان ما فعله نظام صدام حسين مع الكويت قبل 28 عاماً، شكل كارثة أخلاقية بالموازاة مع الكارثة السياسية التي اصابت العالم العربي.
( يتبع)

إعلامي و باحث منهجي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.