الأصالة في سمح المخالقة… وكرم المعاملة

0 7

فطر الله البشر على حب المخالقة وطيب المعاشرة بالخلق والأدب والعفو عند المقدرة. فإن المعاملة والمخالقة الحسنة حتى في زمن كانت القلوب قاحلة من الهدى، والنفوس خاوية من الإرشاد، لها دور بارز في المجتمع العربي الجاهلي، ويعتبر خلاف ذلك من الفحشاء كما، قال عنترة بن شداد
“لئن أكُ أسوداً فالمسكُ لوني ومَا لِسوادِ جِلدي منْ دواء
وَلَكِنْ تَبْعُدُ الفَحْشاءُ عَني كَبُعْدِ الأَرْضِ عَنْ جوِّ السَّماء”.
ويسترسل عنترة أبعد من ذلك حيث أرخ لنفسه الخلق الحسن، ويأمر عبلة بأن” تثني عليّ وتمدحني بما توجد لدي من المخالقة كما تعلمين، بشرط ألا أُظلم”، جامعًا بين المعاملة والشجاعة، لكن تنقصه المخالقة في مواطن الظلم لأن مثل هذه الفجوة لا تسد إلا بنور الإسلام ومحبة الحبيب (صلى الله عليه وسلم).
“أَثْنِي عَلَيّ بِمَا عَلِمْتِ فَإِنَّنِي
سَمْحٌ مُخَالَقَتِي إِذَا لَمْ أُظْلَمِ”
ويحظى بها حتى الشعراء الذين اشتهروا بمخالفة العادات القبلية ووفائها، ولم يكن لهم شأن إلا في ساحة الحانات، بل من عظيم العجائب وجود الخصال الحميدة في المواضع التي تندر فيها المحامد، ويبان جزئيًا في قول امرئ القيس مخاطبا محبوبته:
“وإن تك قد ساءتك مني خليقة
فسلي ثيابي من ثيابك تنسل”.
حيث يقول لها إن ساءك خلق من اخلاقي وكرهت خصلة من خصالي؛ فسلي ثيابي من ثيابك تنسل،أي اسقطي. والنسول: سقوط الشعر ويقال نسل ريش الطائر نسولا. ومثل هذا التصرف لا يخرج من بيئة تجهل المخالقة.
أما زهير بن أبي سلمى فيبدو انه كان أستاذا للأدب حاملًا راية الصلح وعدم الشتم مستعينا بحكمته، بارعا في وصاياه، منها قوله في الصلح مادحا هرم بن سنان، والحارث بن عوف:
“وقد قلتُما: إنْ نُدرِكِ السِّلمَ واسعًا
بمالٍ ومعروفٍ من القولِ نَسلَمِ
فأصبَحتُما مِنها على خيرِ مَوطنٍ
بَعيدَينِ فيها مِن عُقوقٍ ومأثَمِ”.
وقال في ذم الشتم :
“ومَن يجعَلِ المعروفَ مِن دونِ عِرضِه
يفره ومن لا يتَّقِ الشتمَ يُشتَمِ”.
وأما في الأمن فقد استحق جائزة السلام العالمية، اذ قال:
“وما الحرب إلا ما عَلمتُم وذُقتمُ
وما هو عَنها بالحديثِ المرجَّمِ
متى تبعَثوها تبعَثوها ذميمةً
وتَضْرَ إذا ضرَّيتُموها فتَضْرَمِ
فتَعرُكُكم عرْكَ الرَّحى بثِفالها
وتَلقَحْ كِشافًا ثمَّ تُنتَجْ فتُتْئِمِ
فتُنتٍجْ لكم غٍلمانَ أشأمَ كلُّهم
كأحمرِ عادٍ ثم تُرضِعْ فتَفطِمِ
فتُغلِلْ لكم ما لا تُغِلُّ لأهلِها
قُرًى بالعراقِ مِن قَفيزٍ ودِرهَمِ”.
وفي ظل هذه المخالقة كان الكرم أصيلًا في المجتمع العربي، رغم أن الناس اختلفوا حول وجود الكرم في أرض العرب، لكن هذا الرأي بعيد عن الحقيقة؛ لأن الشعراء امتدحوا لهذه الصفة بمفردات عدة منها “السخاء، السماحة ،الجود، البذل، المنيحة”.
ويأتي في زعامة الكرم حاتم الطائي بقصصه والروايات التي وردت عنه بفيضه وجوده، وتكفينا الحكاية المشهورة عنه” قيل إن أحد قياصرة الروم بلغته أخبار حاتم فأستغربها، وفيما بلغه أن لحاتم فرساً من كرام الخيل عزيزة عنده فأرسل إليه رسولا يطلب الفرس، فلما دخل الرسول دار حاتم استقبله أحسن استقبال، ورحب به وهو لا يعلم أنه حاجب القيصر، وكانت المواشي في المرعى، فلم يجد إليها سبيلاً لقرى ضيفه، فنحر الفرس، وأضرم النار ثم دخل إلى ضيفه يحادثه، فأعلمه أنه رسول القيصر قد حضر يستميحه الفرس فساء ذلك حاتم وقال: لو أنك أعلمتني قبل الآن، فإني قد نحرتها لك إذ لم أجد جزوراً غيرها. فعجب الرسول من سخائه وقال: والله لقد رأينا منك أكثر مما سمعنا”.
من هذه المقتطفات علينا أن نعلم أن الصفات الحميدة هي زينة المرء أنّى ذهب، وأن المعاملة الطيبة والكلمة الحسنة هي المتحكمة في بهاء المرء، وعمدت إلى استطراد الأمثلة من العصر الجاهلي؛ لنبين أصالة المخالقة، وجزئيتها في طبيعة البشر، وهي من مكوناتها المعنوية متى ما فقدتها فقدت إنسانيتك في نظر العصر الجاهلي دعك من العصر الإسلامي.
أما الكرم عند سيدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيختلف جدًا عن كل ما قيل، لأنه كرم خالص لا ينتظر بعده عطاء من مخلوق، إنما أمر نبع من قلب متصل بالله عزوجل، فهو أجود بالخير من الريح المرسلة، لأنه بشر خاص، زاهد عن الدنيا كلها، القائل:
“مَا لي وَلَلدُّنْيَا” مِن كرم النَّبيِّ (صلى الله عليه وسلم) وجوده.
لقد مثَّل النَّبيّ( صلى الله عليه وسلم) المثل الأعلى والقدوة الحسنة في الجُود والكَرَم، فكان أجود النَّاس، وكان أجود ما يكون في رمضان.
وقد بلغ صلوات الله عليه مرتبة الكمال الإنساني في حبِّه للعطاء، ما لا مجال لأي مخلوق إذ كان يعطي عطاء من لا يحسب حسابًا للفقر ولا يخشاه، ثقة بعظيم فضل الله، وإيمانًا بأنه هو الرزَّاق ذو الفضل العظيم.
عن موسى بن أنس، عن أبيه، قال:” ما سئل رسول الله( صلى الله عليه وسلم) على الإسلام شيئًا إلَّا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة، وقال أبو هريرة(رضي الله عنه): قال رسول الله( صلى الله عليه وسلم):” لو كان لي مثل أحد ذهبا ما يسرني أن لا يمر عليَّ ثلاث، وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين”.
إنَّ الرَّسول (صلى الله عليه وسلم) يقدِّم بهذا النَّموذج المثالي للقدوة الحسنة، لا سيَّما حين نلاحظ أنه كان في عطاءاته الفعلية مطـبــقا لهذه الصورة القولية التي قالها، فقد كانت سعادته ومسرته عظيمتين حين كان يبذل كل ما عنده من مال، ثم إنه يربي المسلمين بقوله وعمله على خلق حب العطاء، إذ يريهم من نفسه أجمل صورة للعطاء وأكملها.
كاتب سوداني

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.