الأكراد وإشكالية الدولة العراقية

أحمد بن برجس

أحمد بن برجس

انشغل الناس خلال الأيام الماضية بمشكلة استفتاء كردستان ونتائجه المتوخاة من جانب الكرد واشكالياته ونتائجه غير المرغوبة من جانب الحكومة العراقية والاستفتاء بحد ذاته لم يكن هو المشكلة بل هو راس جبل الجليد الممتد بجذوره الى الاف السنين وهي المشكلة الأزلية للكرد وتعود المشكلة الى ما قبل الميلاد بفترة طويلة حيث بسقوط الامبراطورية الميدية على أيدي الفرس الاخمينين عرضهم لاستعباد الاقوام الهندواوربية التي نزحت الى كردستان ما أوجد شعورا بالظلم ومحو الهوية ولم يكن الوضع هذا سبب المشكلة التي مرت عليها فترات هدوء بعد الفتح الاسلامي الذي انقذ الكرد ومنحهم حقوقا قوية وسمح لهم بتأسيس إمارات عدة تحكم نفسها بنفسها في إطار الدولة الإسلامية.
لكن المشكلة الكردية بدأت بصورة واضحه في العصر الحديث حين اصطدام الدولة الصفوية والدولة العثمانية العام 1514 في معركة غالديران كان من نتائجها تقسيم كردستان عمليا بين الدولتين الصفوية والعثمانية وقبل ذلك العام كانت كردستان إمارات مستقلة لكن سوء معاملة إسماعيل الصفوي اضافة للاختلاف المذهبي ادى الى انضمام اكثر الامارات الكردية الى الدولة العثمانية وفي العام 1515 فوض السلطان العثماني الملاادريس البدليسي بعقد اتفاقات مع الامارات الكردية يتضمن اعتراف الدولة العثمانية بسيادة تلك الامارات على كردستان مع الإبقاء على الحكم الوراثي فيها ويتعهد بمساندة الاستانة لهم اذا تعرضوا للغزو الاجنبي.
وبعد الاحتلال البريطاني للعراق 1918 طلبت بريطانيا من المقيم السياسي ببغداد الاتصال بشريف باشا لسماع أقواله من دون أن تعطية اذناً بعقد اي اتفاقات مع الكرد بسبب ان اتفاق سايكس بيكو 1916 حطم آمال الكردوقضى على مشروعهم بحق تقرير المصير وحاول الكرد إيصال صوتهم الى العالم في مؤتمر الصلح الذي عقد في باريس 1919 على امل ان ينالوا حكمهم المشروع وقدم شريف باشا مذكرتين مع خريطتين لكردستان الى المؤتمر وطلب تشكيل لجنة دولية تتولى تخطيط الحدود على مبدأ القوميات وقدم شريف باشا طلبا رسميا الى رئيس المؤتمر جورج كليمنصو بان يمارس نفوذه على حكومة الاستانة لمنع اضطهاد الشعب الكردي ورغم ذلك فقد تراجع الغرب عن وعوده للكرد التي نص عليها في معاهدة سيفر وتناسوهم في معاهدة لوزان التي جاءت لصالح تركيا الكمالية.
هذا من جانب ومن جانب اخر فإن الاعتراضات العراقية على مبدأ الاستفتاء في كردستان لا يقوم على دليل من التاريخ فالاكراد أرضا وشعبا لهم خصوصيتهم ووطنهم الخاص وان تنكرت له الدول التي استعمرت العراق لا يعني ان ليس لهم حق بتقرير مصيرهم فالعراق كان منذ العهد العباسي والى الاحتلال التركي يتألف من ثلاث ولايات لا ترتبط ببعضها بعضاً على مستقله وهي ولاية بغداد وولاية الموصل وولاية البصرة والكرد كانوا في العهد الاسلامي يتالفون من إمارات مستقلة بذاتها باعتراف الدولة الإسلامية ومن ثم الدولة العثمانية التي أقرت للكرد هذا الاستقلال ولم تكن الولايات الثلاث بغداد والبصرة والموصل تشكل دولة واحدة بل كل ولاية مستقلة عن الأخرى وان كانت كلها تتبع الاستانة منفصلة وليست مجتمعة ولما احتل البريطانيون العراق دمجوا الولايات الثلاث بدولة واحدة مع كردستان واصبحت الدولة العراقية الحالية.
ان ما يعيشه الكرد اليوم هو استمرار للظلم الذي تعايشوا معه منذ سنين طويلة والى هذا اليوم.
من هنا نعرف ان الكرد يعانون من إشكالية الدولة العراقية الحديثة ورغم عدالة مطالبهم ووجاهة مشروعهم بحق تقرير المصير فاشكالية الدولة العراقية ليست بالقوانين ولا بالدساتير التي تعاقبت على إدارة الدولة من خلالها بل ان الإشكالية تكمن في عقلية الحاكم الذي يتولى امور الدولة هذه العقلية التي لا تستند الى واقع يعينها فيما تريده ولا الى القوانين الدولية التي أعطت للشعوب حق تقرير المصير من دون تدخل من احد ولا عزاء للكرد بعد ان خذلتهم كل الدول المتعاقبة بدءا من الصفويين والى الأتراك حتى انتهى بهم المطاف في العهد البريطاني الذي لم يناقش معهم حتى مجرد نقاش حقهم في تقرير مصيرهم.

عضو معهد المؤرخين البريطاني
باحث في تراث الكويت والجزيرة العربية
مؤرخ وخبير في شؤون القبائل والانساب