الأمة في حاجة ماسة إلى فهم وتدبر كتاب الله مفاتيح النجاح بالحياة الدنيا والنجاة في الآخرة بتدبر آيات القرآن (1)

0

القاهرة: محمد إسماعيل

يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ولقد اعتنى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعهم على ذلك السلف الصالح من هذه الأمة، بالقرآن تدبرا وحفظا وفهما وعملا، وفي دراسة تحليلية متعمقة نتحدث عن معنى تدبر القرآن وأهميته وأسباب تحصيله وعلاماته وطريق الوصول إليه و ثمراته، ونعرض قصصا ومواقف لتدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وكذلك الصحابة والتابعين، وأقوالا لمشاهير عن تدبر القرآن الكريم، وأنه الطريق إلى الحياة الطيبة والصلاح والشفاء من العلل والأمراض.

يذكر الدكتور عبد الواسع محمد غالب في كتابه «تدبر القرآن الكريم مفهومه وأهميته ووسائله وثماره» أن الأمة في حاجة ماسة إلي فهم وتدبر كتاب الله –تعالي- للخروج من كبوتها وإتباع طريق النجاح والفلاح، ولا يمكن أن يتأتي هذا إلا بتدبر آيات الذكر الحكيم، إذ أن القرآن الكريم هداية للخلق، وبشري للمؤمنين، ويتعدد فهم المفسرين «للتدبر»، ولكن مع تعدده يقترب بعضه من بعض، إذ تؤكد تعاريفهم كلها على تأمل المعاني وتبصر الآيات والأحكام، فهو عند الزمخشري:»تأمل معانيه، وتبصر ما فيه»، وعند القرطبي: «التفكر فيه وفي معانيه»، وعند الخازن:»تأمل معانيه، وتفكر في حكمه، وتبصر ما فيه من الآيات»، وعند أبي حيان:»التفكر في الآيات، والتأمل الذي يفضي بصاحبه إلى النظر في عواقب الأشياء»، وعند ابن القيم: « تَحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله»، وقال السيوطي:»وصفة ذلك أن يشغل قلبه بالتفكير في معنى ما يلفظ به، فيعرف معنى كل آية، ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك، فإن كان مما قصر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مر بآية رحمة استبشر وسأل، أو عذاب أشفق وتعوذ، أو تنزيه نزه وعظم، أو دعاء تضرع وطلب».
وقال الألوسي في كتاب «روح المعاني»: أصل التدبر: التأمل في أدبار الأمور وعواقبها ثم استعمل في كل تأمل سواء كان نظرا في حقيقة الشيء وأجزائه أو سوابقه وأسبابه أو لواحقه وأعقابه، فالتدبر عنده لم يقتصر على عواقب الأمور فحسب، بل امتد ليشمل حقائقها، وأسبابها، ولواحقها، وغير ذلك على وجه الإطلاق، وعلى هذا التعريف الواسع يكون مصطلح «التدبر»قد استعمل في حقيقته اللغوية، أما حقيقته الشرعية فيكون معناه: النظر والتوصل إلى مغزى الآيات القرآنية ومقاصدها وأهدافها وما ترمي إليه، عن طريق إعمال الفكر والتأمل وبذل الجهد الذهني في فهم الآيات. وقال ابن عاشور: «والتدبر التفكر والتأمل الذي يبلغ به صاحبه معرفة المراد من المعاني، وإنما يكون ذلك في كلام قليل اللفظ كثير المعاني التي أودعت فيه بحيث كلما ازداد المتدبر تدبرا انكشفت له معان لم تكن بادية له بادئ النظر»، وبدون التدبر لا يحدث للفرد والمجتمع الفلاح والنجاح.

خير الدنيا والآخرة
وأشار الدكتور عبد القادر سليماني في كتابه «تدبر القرآن الكريم حقيقته وأهميته في إصلاح الفرد والمجتمع»إلى أن فلاحنا ونجاحنا في الدنيا والآخرة مرهون بتدبر آيات القرآن الكريم وقد حثنا الله سبحانه وتعالى على ذلك فقال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، (سورة محمد الآية: 24)، ولقد جمع الله فيه خيري الدنيا والآخرة، من تمسك به نجا ونجح، ومن أعرض عنه فقد ضل وخسر، يقول سبحانه وتعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا)، (سورة طه الآيات: 123 إلى 125)، وتدبر القرآن الكريم، والوقوف عند معاني آياته وأحكامه، هو من الأمور المهمات، وآثاره على جميع المستويات جليات، إن على مستوى الأفراد أو على مستوى المجتمعات، وذلك في جميع المجالات، كإصلاح الاعتقاد، وتهذيب الأخلاق، وتشريع الأحكام، وتحديد سياسات الأمة، التي بها يتم صلاحها وحفظ نظامها، اقتصاديا، وثقافيا، وصحيا، وتعليميا، واجتماعيا، وكل هذه المعاني وغيرها، تدخل ضمن المقاصد الجامعة للقرآن الكريم، في تقويم حياة الناس إلى يوم الدين، قال الله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)، (الإسراء الآية: 9) ولا ريب، أن قيمة القرآن وبركته، تكمل في تلاوته، وتدبره، والعمل به، فما اللفظ وترتيله إلا وسيلة في إدراك المعنى وتحصيله، وطلب الخشوع، والتأثر به، وترجمة هذا التأثر إلى عمل.
إن الوسيلة الأولى للنجاح والفلاح وإصلاح النفس وتزكية القلب والوقاية من المشكلات وعلاجها هو العلم، ووسيلته الأولى القراءة والكتاب، لذلك نجد أن الله تعالى لما أراد هداية الخلق وإخراجهم من الظلمات إلى النور أنزل إليهم كتابا يقرأ، وفي أول سورة نزلت منه بدأت بكلمة عظيمة هي مفتاح النجاح والإصلاح لكل الناس مهما اختلفت الأزمان وتباينت البلدان إنها: (إقرأ)، وعليه فمن أراد النجاح وأراد الزكاة والصلاح فلا طريق له سوى الوحيين تدبر القرآن والسنة: قراءة وحفظا وتعلما.
وقال الميداني في كتاب «قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عز وجل»: «التدبر هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة «، ومعنى تدبر القرآن: هو التفكر والتأمل لآيات القرآن من أجل فهمه، وإدراك معانيه، وحكمه، والمراد منه .
إن الإحالة على كتاب يقرأ ويفهم ويطبق هي الطريقة العملية للتغير والتطوير والنجاح. ولو تأملنا في حال سلفنا الصالح بدءاً من النبي صلى الله عليه وسلم وانتهاءً بالمعاصرين من الصالحين لوجدنا أن القاسم المشترك بينهم هو القيام بتدبر القرآن وفي صلاة الليل خاصة، والعمل المتفق عليه عندهم الذي لا يرون التهاون به في أي حال هو الحزب اليومي من القرآن، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:»من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل»إنه الحرص على عدم فواته مهما حالت دونه الحوائل، أو اعترضته العوارض، لأنهم يعلمون يقينا أن هذا هو غذاء القلب الذي لا يحيا بدونه، إنهم يحرصون على غذاء القلب قبل غذاء البدن، ويشعرون بالنقص متى حصل شئ من ذلك، بعكس المفرطين الذين لا يشعرون إلا بجوع أبدانهم وعطشها، أو مرضها وألمها، أما ألم القلوب وعطشها وجوعها فلا سبيل لهم إلى الإحساس به.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

4 × 5 =