الأمير تميم بن حمد… تأبى الرِّماح إذا اجتمعن تكسُّراً

0 197

مساء التاسع من سبتمبر عام 2017، تلقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصالاً هاتفياً من أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وعند نشر الخبر شاعت الفرحة في دول “مجلس التعاون” كافة، لما يعنيه ذلك من تصميم على حل الأزمة الناشئة حديثا، وقتذاك، لأن شعوب دول المنظومة ترى في هذا المجلس عزوتها وعصبتها وملاذها.
أحد الذين استبشروا خيراً بهذا الاتصال شيخ جليل حكيم، هو صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، الذي لم يتوان لحظة منذ بدء تكوُّن غبار الأزمة، عن إطلاق مبادرته للتصالح وتقريب وجهات النظر بين أبناء البيت الواحد، لذلك حمل أدويته وجال على عواصم الخليج الأربع المعنية، ساعياً إلى تأكيد أن لا غيوم يمكن أن تتلبد في سماء هذه الدول، إلا ولها ما يجعلها تنقشع.
يومذاك، كان الخليج على موعد مع ثلاث قامات شابة بدأت تتحمل مسؤولية الحكم في ثلاث دول مهمة، هم الشيخ تميم بن حمد، الذي ترتاح إليه الناس، والشيخ محمد بن زايد آل نهيان في دولة الإمارات العربية المتحدة، عضيد الشيخ محمد بن راشد، والأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية هذه الدولة الكبيرة وشبه القارة جغرافيا، ولدى الثلاثة رؤى حديثة إلى مستقبل بلدانهم، والمنظومة ككل، ما جعلهم يمثلون قيماً مضافة إلى قادة الحكمة في المنطقة.
مع هؤلاء القادة الشباب الثلاثة بدأ يتسع أفق تطلعات الخليجيين إلى المستقبل، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، غير أن ما حدث جعل الأزمة تستفحل بين هذه الدول، وكما يقال في الأمثال، إن الرصاصة التي لا تقتل تقوي، وعلى هذا فإن ما حدث قد حدث، وكنا نأمل ألا يحدث، كي لا تتعرقل مسيرة النهضة الخليجية.
ننظر اليوم إلى تلك الرصاصة على أنها كانت مصدر قوة، لأنها لم تقتل هذه المنظومة الراسخة، لا سيما أن صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد جعل من حل الأزمة همه اليومي، وشغله الشاغل لإيمانه المطلق أن “مجلس التعاون” لا يجوز أن تتزعزع أركانه، أو يهدم بعدما تصلَّب عوده وأصبح على هذا النحو من الإنجازات المشتركة.
اليوم نحن على مشارف تغيرات كبيرة في الخليج، ولابد من كشف حساب لما مررنا به في السنوات الثلاث الماضية، كي ندرك ما هي الفوائد وكذلك الخسائر، لنتفادى الأخطاء في المستقبل، ونبني على المشتركات الإيجابية.
يومذاك حين بدأت تتسع هوة التباعد بين الأخوة راح المرتزقة يتسللون من بين تلك الشقوق… مرتزقة من الداخل والخارج، عرب وغير عرب، لا يهمهم إلا الارتزاق من آلام الناس، فبدأوا نشاطهم التخريبي الذي أدمى قلوبنا جميعا، سواء أكان عبر تلفيق أخبار مضللة، أو محاولات إثارة الفتن، وحينها نشطت وسائل إعلام تعتاش على الأزمات في كل مكان.
بعد هذه التجربة تكشفت الحقائق، فمثلا، استغلت تلك الوسائل، والجهات التي تحركها، مسألة الصحافي السعودي جمال خاشقجي لتجعل من الأكاذيب حولها أسطورة لا يصدقها عاقل، مستندة في ذلك إلى مبدأ أن كل الأسلحة مباحة في الحرب، وأين منها حرب “داحس والغبراء” التي استمرت أربعين سنة؟ بينما في الأزمة الأخيرة، ومع التطور التكنولوجي احتاجت النار كي تستعر بين الأشقاء أياماً لتستمر بعدها ثلاث سنوات عجاف.
لا شك أن الاستثمار البشع وغير الحقيقي في قضية خاشقجي، وغيرها، ترتبت عليه إجراءات من بعض الدول التي كانت تصطاد في الماء العكر ضد دول المنطقة، صحيح أنها أوجعت في مكان ما، وفي أخرى اشفت غليل الحاقدين، بينما انفقت أموال خليجية طائلة، على الترسانات الإعلامية التي أصبحت سلاح العصر، فيما نتمنى أن تصبح اليوم قوة إيجابية لخدمة مسيرة “مجلس التعاون” إلى المستقبل، لما للإعلام، كسلاح، من قوة، وما أفضل هذه القوة حين تكون لخدمة الأمة.
كل هذا شكل حسرة في نفوس الخليجيين الأوفياء للمنظومة الأخوية، فيما تشكلت على هامشه مصالح، تماما كما في كل أزمة أو حرب، حين ينشط تجار يستفيدون منها، حتى لمع بصيص نور من خلال دورة” كأس الخليج” التي عقدت في الدوحة أخيرا.
في هذه المناسبة فرح الخليجيون كثيرا حين رأوا أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد بقامته الفارعة والشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يقفان، ومن خلفهما، الشعب القطري احتراما للسلام الوطني السعودي، وكذلك الإماراتي والبحريني، وتساءل الخليجيون هل بدأت غيوم الأزمة تتبدد؟
الفرحة، أيضا، غمرت سمو أمير الكويت، الذي كان الألم يعتصره مما تشهده دول الخليج من تباعد وشقاق هي في غنى عنه، غير أن الأمل بأن الراية الخليجية ستبقى مرفوعة، لم يفارقه.
في السعي إلى حل الأزمات يحسب الفضل لمن بادر إلى رأب الصدع، وتقريب وجهات النظر، فكيف إذا كان المبادر شيخاً حكيماً جليلاً بوزن صباح الأحمد، الذي يرى الحرائق تشتعل في غالبية دول الإقليم، بدءاً من العراق مروراً بإيران واليمن ولبنان، ودول عربية أخرى، ويدرك أن شراراتها لن تبقى ضمن حدودها، وأنه لابد من عمل استباقي يقي دول”مجلس التعاون” من تلك النيران.
هنا علينا ان نعتمد على انفسنا بعدما اثبتت التجربة في هذه المنطقة الحساسة من العالم أن العلاقات مع بعض الدول الكبرى تتحول مصدر ابتزاز لنا في المنعطفات الكبرى، يكون دائما ثمنها باهظاً جداً، وهي تلعب على حبال التناقضات بيننا، لذلك لابد من الاجتماع على كلمة سواء خليجية عملا بالمبدأ العربي:
“تأبى الرِّماح إذا اجتمعن تكسُّرا
وإذا افترقن تكسرت آحادا”.
هذه الحقيقة تجعلنا اليوم نقول: كما اننا لا ننتقص من قدر وإمكانات الشيخ محمد بن زايد، أو الشيخ محمد بن راشد، أو الأمير محمد بن سلمان، كذلك لا ننتقص من قدر وامكانات الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، فهؤلاء تحيط بهم حيوية الشباب، تماما كما تحيط الحكمة والرؤية السديدة بقادة المنطقة المخضرمين.
استنادا إلى هذه الحقيقة نحن اليوم أمام ظروف مختلفة تماما عما كانت عليه بالأمس بشروطها ومواقفها، ولا سيما أن أمير دولة قطر الشاب يدرك تغير الزمن، وما كان غير جائز أو مقبول حينها يمكن أن يكون جائزاً اليوم، ونتمنى أن يكون الزمن قد تخطى شروط الأمس.
نعم، بعد هذه التجربة الأليمة أدرك الجميع أن العصي تتكسر إذا تفرقت آحادا، وان اجتماعها قوة، لذلك إذا كنا عتبنا بالماضي على أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في بعض المواقف، نحن اليوم نعتب على أنفسنا، لذا علينا أن نرحب بمن يحمل راية قطر الآتي على حصان أبيض الينا، لترفرف تلك الراية إلى جانب شقيقاتها الخليجيات، وعلينا أن نسجل له لجمه الكثير من المرتزقة، ووقفه للعنت الذي سعى إليه هؤلاء، فلا شك أنه سيكون مدافعا مع إخوانه قادة المنطقة عن “مجلس التعاون” بوجه كل من يريد شرا به من تجار الفكر الظلامي، ولعل للأمير تميم موعداً مع التمام.

أحمد الجارالله

You might also like