الأمير قال كلمته … والأيام حُبلى

أحمد عبد العزيز الجارالله

بشفافية اعتدناها من صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد كان النطق السامي في افتتاح دور الانعقاد الثاني لمجلس الأمة منهج عمل للسلطتين، التشريعية التي عليها تحمل مسؤولياتها الوطنية والخروج من شرنقة الشخصانية إلى فضاء العمل الوطني المسؤول، والتنفيذية المطالبة بالقدرة على تنفيذ برنامج عملها من دون تهاون، أو جزع أمام أي سؤال أو مساءلة ضمنها الدستور، وأن تكون السلطتان عند حسن ظن المواطنين الذين يتوقون لخروج الكويت من دوامة هدر الوقت في مماحكات نيابية- وزارية تزيد من ضعف المناعة، وتعرقل التنمية.
اليوم ثمة طريق واضح حدده رئيس الدولة للعمل الجاد، خصوصا ما يتعلق بإعادة التذكير بحقيقة الانتماء الذي دعا سموه رئيس وأعضاء مجلس الأمة” إلى تحمل المسؤولية والعمل على حماية الوطن من مخاطر الفتنة الطائفية وتحصين المجتمع ضد هذا الوباء الذي يفتك بالشعوب”، وهو ان نجعل جميعا الكويت أصلنا وفصلنا، ولا ننزلق الى المهاترات الطائفية والقبلية، فتتحكم فينا العصبيات السلبية التي يستبيح أصحابها كل شيء، بدءا من المال العام وصولا إلى التهاون بالأمن القومي.
للأسف، اكدت التجربة طوال العقود الثلاثة الماضية أن سبب كل هذا عدم نضج الممارسة البرلمانية وهو ما أدى الى انتكاسات متتالية للديمقراطية ما تسبب بشل البلاد من خلال تكرار لعبة الاستجوابات لتحقيق انتصارات شعبوية من خلال الدفع النيابي المتعمد إلى حل مجلس الامة أو إقالة الحكومة، وفي كلتا الحالين يكون الابتزاز العنوان الاساس، بل وصلت الامور الى تحويل قاعة عبدالله السالم مكتب تخليص معاملات نيابية وليس قاعة للتشريع.
في النطق السامي وضع صاحب السمو الامير الاصبع على مكامن الوجع، واليوم بات مجلس الأمة والحكومة مطالبين بمعالجة هذه الآلام كي لا نعود في دور الانعقاد المقبل لتذكيرهما مجددا بواجباتهما، ومن هذا المنطلق على مجلس الامة العمل بما قاله سموه حين طالبه بفترة “تأمل وتقويم لمسيرتنا الديمقراطية ومعالجة سلبياتها ومظاهر الانحراف فيها”، وذلك يكون بان يتبصر النواب ” خطواتهم قبل ان تضل الرؤية وتغيب الوجهة وترتبك معايير الحق والباطل وتضيع المصلحة العامة”، لان إذا وقع المحظور لن تفيد المهاترات الانتخابية والعصبيات الطائفية والقبلية في درء المخاطر، بل ستزيدها، وهو ما يخشاه الكويتيون اذا بقيت الممارسة السياسية مصابة بمرض الأنا والشخصانية القاتلة.
إن الأساس في تعزيز الهوية هو السعي إلى بناء دولة مؤسسات غير خاضعة للمحسوبيات، ومتحررة من سطوة المتنفذين، فلا توظيف من دون كفاءة، ولا وساطات لهدر المال العام، أكان في قوانين شعبوية، كخفض سن التقاعد على عكس مما يجري في العالم اجمع، أو بالسياحة على حساب الدولة بحجة العلاج في الخارج الذي كثرت فضائحه إلى حد أزكمت الانوف.
نعم، إن الرقابة المسؤولة التي حددها صاحب السمو الامير في خطاب الحقيقة والشفافية يجب أن تنطلق من التحفيز على الإبداع ضمن الأطر القانونية، فلا يقع صندوق الاستثمار أو مؤسسة التأمينات تحت وطأة رقابة نواب غير متخصصين، أو مدفوعين بالمصالح الشخصية ما يجعل العاملين فيها يضيعون الفرص الاستثمارية خوفا من الاتهامات بالهدر أو غيرها مما عهدناه في السنوات الأخيرة وتسبب بخسائر مليارية للدولة، وان يوضع حد للترهيب النيابي حيال المشاريع الكبرى، كما حصل في حقول الشمال أو الـ”داو” أو المصفاة الرابعة وغيرها.
في تطرق صاحب السمو إلى الوضع الاقتصادي للدولة وبمنتهى الصراحة لم يعد مسموحا لأي مسؤول التعلل بالجهل أو عدم المعرفة، خصوصا في ما يتعلق بترشيد الانفاق الذي لا يرتبط بمرحلة معينة انما يجب ان يكون نهجا دائما، اساسه التزام النواب عدم فتح خزائن الدولة على مصراعيها لضمان مركزهم الانتخابي, إذ وكما قال سموه:” من المستهجن ان نشهد طروحات ومشاريع لا تخدم جهود الاصلاح الاقتصادي الوطني، بل تعارضها وتوهنها وتضر بمصالح البلاد”، ولذا فان المهمة الاولى للسلطتين هي تنويع مصادر الدخل بما يخدم مشروع تحويل الكويت مركزا ماليا وتجاريا عالميا، بما لا يزيد من طرد الاستثمارات وعزلة البلاد والهدر المالي وكأن الوطن دولة موقتة.