الأندلسيون أول من وضع نظريات الطب وتطبيقاته فردوس المسلمين الضائع - 24

0 111

إعداد – محمود خليل:

عانى المسلمون في الأندلس، كثيراً من ظروف القهر والرقابة الدائمة التي فرضت عليهم بعد سقوط الأندلس، التي كانت محاكم التفتيش المعينة من طرف الكنيسة مسؤولة عن ترتيبها وتنفيذها.
أدت تلك الرقابة الصارمة إلى نفور شديد من قبل الموريسكيين من كل ما يأتي من قبل السلطات الصليبية، فبعد الذوبان الاجتماعي للأندلسيين القشتاليين وأندلسي الغرب، ثاروا على المسيحية التي فرضت عليهم، وبدأوا في البحث عن جذورهم الإسلامية العربية المفقودة. زاد من حدة تحول هؤلاء الاندلسيين، الذين اجبروا على اعتناق المسيحية – المسيحيون الجدد كما كان يطلق عليهم – طرد أندلسيي غرناطة إلى مناطق تواجدهم، اذ وجدوا في الأندلسيين القدامى في غرناطة، ما فقدوه قبل قرون، كما أجبر تواجدهم النصارى القدامى على عدم نفورهم من أهل غرناطة على النصارى الجدد.
لم يمر وقت طويل حتى التحم أندلسيو غرناطة مع باقي الأندلسيين في شتى المقاطعات الخاضعة لحكم القشتاليين، ما نتج عنه فئة جديدة نتيجة ظلم محاكم التفتيش، أسموها “الموريسكيون”، شكلت عنصراً جديداً في التركيبة السكانية والاجتماعية في الأندلس.

الطب قديم قدم البشر على وجه البسيطة، فالإنسان البدائي حتى في مرحلة الصيد وجمع الثمار، عرف كيف يداوي الجروح، يجبر الكسور، يرد التخلعات.
كما تزخر المنطقة العربية بأسماء الأطباء الذين زاولوا مهنتهم الطبية في بيئات وعصور مختلفة حتى عصر الجاهلية وصدر الإسلام، مثل الحارث بن كلدة وابنه النضر، ابن خالة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عدوه اللدود – ابن أبي رمثة التميمي،عبد الملك بن أبجر الكناني، الذي مارس تدريس الطب بمدينة الإسكندرية قبل الفتح الإسلامي، بل برزت أسماء طبيبات مثل زينب الأودية.
احتضنت الأندلس، مثل سائر البلدان العربية الإسلامية، هؤلاء الأطباء الرواد الذين مارسوا التطبيب بنجاح، كانوا يتقنون الفارسية، السريانية، العبرية، الإغريقية، اللاتينية، ونقلوا منها إلى العربية.
لم يكن الأندلسيون معزولين عن باقى إخوانهم في المشرق، بل كانوا على اتصال وثيق بمعاصريهم، موقنين أن العلم لا يعترف بحدود أو قيود من أي نوع، بل أن أي كتاب طبي كان يؤلف في الشرق، يكون له صدى في الغرب، والعكس صحيح.
كان الطب الأندلسي ثمرة ذلك كله، إلي جانب الطب النبوي الذي حوته صدور بعض الصحابة والتابعين، المعارف الطبية العربية التي حملها بعض الفاتحين للأندلس، كانوا يتولون التخفيف من آلام الجرحى، وشفائهم بمختلف الوسائل.
لذا كان للطب الأندلسي ملامحه الخاصة، شخصيته المميزة، كان القرن السادس الهجري القرن الذهبي لعلوم الطب الأندلسي، فاشتهر أطباء كثيرون منهم، أبي بكر محمد بن يحيى بن الصائغ المعروف بابن باجه، أبي الوليد محمد بن رشد، بني زهر.
كما ألف أبو بكر محمد بن ذكريا الرازي كتابه “الحاوي”، فاعتبر معلما طبيا وجه الطب الأندلسي وجهة علمية لم يحد عنها بتاتاً، كما ألف الطبيب علي بن العباس الأهوازي كتابه “الملكي”، الذى يعتبر قاموسا وموسوعة فى الطب والصيدلة، تناولت معلومات عصره الطبية، لم يتمكن، حتى الإغريق، من التوصل إليها.
تدحض هذه المؤلفات ما يردده أطباء وعلماء الغرب من أن أطباء الأندلس، لم يكونوا مجرد مقلدين، بل كانت لهم شخصيتهم العلمية، أفكارهم، نظرياتهم، تجاربهم، كتبهم، التي كانت تعبر الحدود إلى الشمال الأوروبي، والشرق العربي.
كان يسود ميدان الطب، في الأعوام التي تلت الفتح الأندلسي، نوع من الجبرية والاعتقاد بالقضاء والقدر، بما يتمشى مع تعاليم المجتمع الإسلامي، تقاليده وتطلعاته، فكان الأطباء يكتبون في مواضيع كشف الطالع، تأثيرات النجوم والأجواء، تحول المعادن من خسيس إلى نفيس، عمليات الحجامة، طريقة ووقت جمع الأعشاب الطبية واستعمالاتها.
كان الحكماء يلجأون إلى جمل مبهمة، تعازيم ورقى، كان البعض منهم يعلقون في ديارهم جثثاً محنطة للطيور والحيوانات ليبيعوا سوائلها، أشربة ومراهم، ذات تركيبات معينة بثمن باهظ، كما كانوا يعالجون مرضاهم على طريقة الكهانة الروحية، يحيطون أنفسهم بمظاهر معينة، يقومون بطقوس خاصة تضفي على أعمالهم ألواناً من الجدية، المهابة، الوقار المصطنع.
من ناحية أخرى، بدأ جيل جديد من الأطباء يرفض هذه الممارسات، اعتنوا بالمذهب التجريبي، عالجوا مرضاهم حسبما تتطلبه حالة كل منهم، وضعوا فى الاعتبار شهية المريض، بنيته، خلقه، مزاجه. اي أنه لا توجد أمراض، إنما يوجد مرضى.
هكذا بدأ الطب الأندلسي في الظهور حتى إن الخليفة عبد الرحمن الثالث، أرسل إلى الإمبراطور قسطنطين، يطلب منه إرسال أحد العارفين باللغتين، الإغريقية واللاتينية، فبعث له الراهب نيقولاس، الذى قام بتعريب بعض الكتب الطبية.
كانت لجنة الترجمة التى كونها تضم فريقا من العلماء المسلمين، المسيحيين، اليهود، طافت في أنحاء الأندلس لدراسة النباتات التى تنمو بها ولا توجد في بلاد الإغريق، ما يؤكد على روح الإسلام السمحة، التى لا تعترف بالتمييز العنصري أو الديني، تنفي عن الإسلام إنه دين عنف أو لا يقبل الآخر.
توصلت اللجنة إلى عدد من النباتات المعالجة مثل، خانق الذئب، حب الأنيسون، حبة الكلاوة، الحماض، الترياق، وغيرها، من ثم أنتج منها أدوية كثيرة على هيئة حبوب، أقراص، قطرات عيون، لعوقات، زيوت مراهم، لازوقات، حقن شرجية.. الخ.
برز العديد من أطباء الأندلس مثل، سليمان بن حسان المعروف بابن جلجل، أبي جعفر أحمد بن محمد بن السيد الغافقي، الوزير أبي المطرف عبد الرحمن بن وافد اللخمي، من ثم بات في الإمكان الحديث عن طب إسلامي- أندلسي صميم، عن مدرسة علمية شاملة، نبغ فيها كثيرون مثل، أبي القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي، أبي القاسم أصبغ بن محمد بن السمح، أبي القاسم أحمد بن عبد الله بن عمر بن الصفار القرطبي، أبي الحسن علي بن سليمان الزهراوي، أبي الحكم عمرو بن أحمد بن علي الكرماني القرطبي، أبي مسلم عمر بن أحمد بن خلدون الحضرمي.
كما تخصص كل منهم في فرع معين، فتخصص أحمد بن يونس الحراني في طب العيون، كان يداوي العين مداواة نفيسة، كما كان الوزير أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد بن وافد اللخمي من أطباء العيون، ألف كتاب “تدقيق النظر في علل حاسة البصر”.
برز أيضا محمد بن قاسم بن أسلم الغافقي في ذات التخصص، نال فيه شهرة فائقة، ألف كتاب “المرشد في الكحول”، تزدان صفحاته بأدوات طبية اخترعها ليستعين بها في علاج مرضاه، ذكر أن الداعي لتأليف كتابه أنه وجد كتب أسلافه السابقين ناقصة غير مكتملة، يعني ابن إسحاق، عيسى بن علي، الرازي، ابن سينا، عمر بن علي، أبي القاسم خلف الزهرأوي. كما تخصص البعض في طب الأطفال وطب التوليد، مثل الطبيب الأندلسي عريب بن سعيد الكاتب، الذي ألف كتابا أسماه “كتاب خلق الجنين، وتدبير الحبالى والمولدين”، شرح فيه موضوعات في خمسة عشر فصلاً، منها، المني نوعه، وسائل تحسينه وتكثيره، أسباب العقم، كيفية التعرف على ما إذا كان الجنين الذي في الرحم ذكراً أم أنثى، لماذا أعضاء الجنين تزيد أو تنقص، الوقت الذي يمكثه في بطن أمه، الذي يحدث في الأيام الأخيرة من الحمل، نظام تغذية الحبالى، العلامات الأولى للمخاض، لسهولة الولادة، نظام تغذية النفساء، وفرة الحليب، الرضاعة، كيفية المحافظة والتوجيه لصحة المولود النمو والتحولات التي تعتريه، التسنين، طريقة علاج اختلالاته، الأسباب التي تحدثها، التدبير الغذائي الذي يجب اتباعه قبل التسنين وبعده حتى سن البلوغ.
كان أطباء التوليد يقدمون النصائح والإرشادات، عن بعد، للقابلات أثناء التوليد، لعدم كشف العورة، فيقمن بعمليات تصحيح وضعية الجنين في الرحم، تقليبه تمهيداً لولادته بكيفية سليمة، تشريح الأجنة وتقطيعها، لاستخراجها أرباً أرباً عندما تكون الولادة مستحيلة لضيق حوض الولادة، أو غيره من عوامل النقص في التكوين.
كما تألف في الأندلس مجلسا للأطباء، يشبه نقابة الأطباء حاليا، لإبداء الرأي في علاج الحالات المرضية العويصة، كان يجتمع عندما يمرض الخليفة، أو إحدى الشخصيات المهمة في البلاط الملكي أو الديوان الحكومي.

You might also like