“الأنفس الميتة” لنيقولاي غوغول صدرت بـ”العربية” غيرت مسار حياته ودفعته إلى العزلة

0 24

صدرت الترجمة العربية لرواية “الأنفس الميتة”، للروائي الروسي نيقولاي غوغول، عن دار الفارابي للنشر، تلك الرواية التي زلزلت روسيا من أدناها إلى أقصاها، حين صدورها، إذ تعد وثيقة اتهام بحق روسيا، إنها قصة روسيا المريضة كتبتها يد معلّم فنان. يجسد الكاتب المجتمع الروسي بخاصة الاقطاعيين الملاك في القرن التاسع عشر في فترة من تاريخ روسيا القيصرية حين كان النظام الساري في العمالة بالأرض الزراعية هو نظام القنانة، وهو أحد الأنظمة الاستعبادية المعدلة عن الرق حيث يكون القن “العَبْدُ الذي كان أَبوه مملوكًا لمواليه” غير مملوك بذاته لصاحب الأرض، ولكن عمله يكون مملوكا للمالك على أن ينال أجرا رمزيا بالإضافة لطعامه وشرابه، وكانت الأراضي الزراعية والمزارع الضخمة تقاس بعدد الأقنان “الأنفس” اللازمة لخدمة هذه المزارع، فيقال عن المالك أنه يملك ألف نفس، أو عشرة آلاف نفس، فيفهم من ذلك مدى المساحة الزراعية التي لديه على اعتبار أن الهكتار الواحد يحتاج لعدد معين من الأنفس.
والفكرة الجهنمية التي راودت عقل تشيتشيكوف”بطل الرواية” الموظف البسيط أن عدد الأنفس المملوكة للأشخاص لا يتم معرفتها بالتحديد إلا في سنة الإحصاء السكاني والذي يتكرر كل عشر سنوات، وبالتالي فإذا ماتت أنفس خلال هذه الفترة فإنها تظل موجودة على الورق فقط من دون وجودها حقيقة وبالتالي سعى إلى جولته الشهيرة من أجل شراء الأنفس الميتة من المالكين الأصليين بثمن بخس مقابل أن يقال أنه يملك عددا كبيرا من الأنفس، وبالتالي يكون من النبلاء أصحاب الممتلكات “راسكولينكوف”.
نالت الرواية نجاحاً باهراً، وبها تربع غوغول على قمة الهرم الأدبي في روسيا. لكنه لم يكن مقتنعاً جداً بالذي كتبه، ثم بدأ النظر للموضوع من منظور شخصي. وبدأت تتسلل إلى رأسه فكرة دينية فحواها أن الرب حباه بموهبة أدبية ليس فقط ليعاقب الفساد عن طريق اضحاك الناس، لكن ليسير بروسيا نحو الطريق الصحيح في عالم يسوده الشر. وعلى هذا الأساس قررغوغول أن يكمل روايته على أنها مثل “كوميديا إلهية” نثرية. ثم دخل في متاهة دينية ووجد نفسه غير قادرعلى اكمال الرواية.
خلال عشر سنوات كتب غوغول الجزء الثاني من روايته (من 1842حتى 1852)، ولم يكن راضياً عن ما كتبه، وأصيب بوسواس ديني وبدأ يكثر صلواته ويبتعد أكثر عن الحياة والمجتمع، أخذ ينتقل من مكان إلى آخر حتى استقر في موسكو، وهناك قابل قسيساً متطرفاً أقنعه بأفكاراً تحريمية غريبة وسيطرعليه، وبقي يأمره بفعل أشياء. منها أن يحرق مخطوط الجزء الثاني من روايته “النفوس الميتة” الذي لم يكن قد نشره بعد، فحرق غوغول المخطوط يوم 24 فبراير سنة 1852، وبعدها بعشرة أيام مات نتيجة الصيام المتواصل، وهو مصاب بهلوسه شبه جنونية.

You might also like